مداخلة الفنان نهار مرزوق بدت «مهادنة» لما يحدث، ومقللة من أثره بإيجاد مبررات ساقها بقوله: إن تداخل النصوص التشكيلية أمر حتمي لا مفر منه، فلا يمكن أن نتحدث عن نشوء نص تشكيلي من لا شيء، إذ لا بد من تلاقح النصوص التشكيلية وسجال وعلاقات تأثر وتأثير. وذكر ميخائيل باختين في كتابه «الماركسية وفلسفة اللغة»، أنه أمر يفرضه قانون الإبداع منذ الأزل؛ ذلك أن «كل كتابة أو نقش امتداد لسابقاتها، تثير سجالا معها». فاللوحة التشكيلية هي نص تشكيلي، وحيث يتأثر بنصوصٍ ويؤثر في أخرى، فيمكننا نحن التشكيليين أن نستعير عبارة «الغذامي»: «النص ابن النص». ويخلص مرزوق إلى القول: إذن الإنسان - أيِّ إنسان - لابد وأن يفيد من غيره، وأن يتعلّم من الآخرين مهما تكن خبراته وتجاربه، فكم من كلمة قالها قائل قد سمعها من غيره، وكم من عبارة نطق بها كان قد قرأها في كتاب أو نحوه، وكم من لفظ تفوه به قد أفاده من غيره، وكم من فنان أخذ مجموعات لونية أو مواضيع تشكيلية بنفس العناصر وتوزيع المساحات بنفس الطريقة وذات الخامات الفنية.

أضحت ظاهرة استنساخ اللوحات الفنية أمرًا عاديًا وطبيعيًا في الساحة التشكيلية السعودية، يتم ذلك بـ»جرأة» تصل حد تقديم المنتوج المستنسخ في معارض عامة، والتكسّب المادي منه، البعض يرى في هذه «الظاهرة» كارثة تضرب بالساحة، وتشيع الفوضى فيها، وتخلط الأصيل بالمزيف، وغير ذلك من المثالب الأخرى، ملقين باللائمة على الجهات المعنية في عدم وضع حد لهذا «العبث».. آخرون يقللون من الأثر، بالإشارة إلى أن ما يحدث نوع من «التأثر» الحتمي، والتفاعل الضروري، مشترطين على المقلد أو المستنسخ أن يضع بصمته الخاصة.. جملة هذه الآراء طي هذا التحقيق حول ظاهرة انتشار الاستنساخ والتقليد في الساحة التشكيلية السعودية..

في مستهل الحديث يذهب التشكيلي أحمد فلمبان إلى تأكيد الظاهرة بقوله: لقد طفحت هذه الحالة مؤخرًا على الفن التشكيلي السعودي بسبب ظهور الكم الهائل من الفنانين والفنانات، حتى أصبح عندنا (4217) فنانًا يفوقون فناني إيطاليا بلد الفن، وتقام يوميًا عشرات المعارض. وحتمًا مع هذا الحراج لا تصل بأي حال من الأحوال إلى مفهوم العمل الفني الأصيل، واللمحة الجمالية الإبداعية..

ويحصر فلمبان مساوئ هذه الحالة في (3) نقاط تتمثل في أنها:

- أساءت للإنجازات وخلقت نوعًا من المزاحمة

- غيبت التجارب الجادة والمجاملة من كل الأركان

- أدت إلى عزوف الجمهور والمهتمين

إنها ظاهرة أكبر من أن تكون اقتباسًا أو توارد خواطر؛ بل تزييف وغش وسرقة، هي جريمة بحق الفن يعاقب عليها القانون في الدول المتحضرة؛ وبما أن الحالة الفنية عندنا فالتة، ولا يوجد حسيب ولا رقيب ولا معايير ولا ناقد صريح حصيف، فالحبل على الغارب، فيكفي مجرد رسم لوحة منسوخة من الأعمال العالمية، وتحويرها، وتقليد أعمال الفنانين السعوديين التي تحقق الفوز وتحظى بالبيع، ثم عرضها بشجاعة لنيل لقب فنان، ومن هنا أصبحت معظم الأعمال متشابهة في المواضيع، ومتقاربة في التقنيات والأسلوب، والصيغ واحدة، يؤيدهم المطبلون ويشجعهم المستنفعون.وبخلص فلمبان إلى القول: الطامة الكبرى تتمثل في غياب المراقبة والفحص من جمعية الثقافة والفنون، وجمعية التشكيليين، وسكوتها عن هذا العبث، وأيضًا مساهمتها بفتح مجال التدريب والتعليم العشوائي الخاطئ لمتدربين يحتاجون للتعليم، وبعد ذلك يخرج المتدرب إلى الساحة لمواصلة التشويه، وبالتالي سيندثر الفن الراقي الأصيل، وسيبقى الفن التشكيلي السعودي (مكانك سر)، ولن يواكب دول الجوار ولا ركض العالم.

فلمبان: ما يحدث تزييف وغش وسرقة

ويرى الناقد علي ناجع أن هذه «الإشكالية قائمة من فترة طويلة»، وتم إخضاعها للدرس والنقاش في الملاحق الأدبية والفنية وفي صفحات التشكيل منذ ما يقرب من (40) عامًا..مضيفًا بقوله: بدايات معالجة هذه الإشكالية ارتبطت بمشكل أعمق وأعم وإشكالية متصلة بطبيعة تشكل المفهوم العام للعمل في الممارسة التشكيلية لدينا والتي بدورها كان لها ظروفها وأسبابها، وتعالق ذلك مع ظروف نشأت الممارسة المحلية وارتباطها بإقرار مادة التربية الفنية داخل المنهج التعليمي العام، والذي جري فيه اختزال أهم مفاهيم المادة؛ والمتعلق بفكر المنتج الفني واعتباره مجرد حلول تشكيلية لا يشير إلى رؤية، ولا يتحدد بمنهج، ولا يعكس موقف الفنان من العالم والكون المحيط به.

ناجع: الإشكالية مرتبطة بمشكل أعمق وأعم

ويرى الفنان طلعت عبدالعزيز أن المشكلة تفاقمت لنقص الإبداع، مرجعا أسباب التشابه إلى جوانب متعددة، منها:

1- التأثر: بأعمال بعض الفنانين المشهورين واللوحات الأعلى شهرة وصيتا.. وهناك بعض الفنانين في الساحة تأثروا بموجة معينة، ولقد تبدو لوحاتهم نتاج فنان واحد من خلال استعمال الحرفيات واسطمبات الطباعة والتذهيب والكولاج وغيره.

2- التناص: ويعني تقليد صور فوتوغرافية سواء في الشخوص أو المناظر الطبيعية، وهذه ظاهرة منتشرة في الوسط التشكيلي، والصحيح أن يتم النقل مباشرة سواء من موديل، أو الانتقال إلى الطبيعة بحيويتها وبألوانها ولوحاته.

3- التقليد الأعمى: وهو نقل نفس العمل بألوانه ذاتها، وهذا الأسلوب يحرمه القانون ويعاقب عليه إذا تم التعامل التجاري في اللوحات مما يعتبر بمثابة جور واعتداء على إبداع من سبقه. ويضيف طلعت: ومن وجهة نظر خاصة أرى أن التأثر بأعمال السابقين أو بمدرسة ما أو اتجاه تشكيلي معين ليس عيبًا في حد ذاته، فالمهم أن يضفي الفنان بصمته الخاصة على العمل من حيث الألوان أو التقنية التي تظهر خصوصيته وأسلوبه.. فالفن ليس انغلاقًا على أداء أو مدارس بعينها؛ لكنه مبني على التطوير والحداثة بصفة مستعمرة من خلال المشاهدات والاشتراك في معارض وورش فنية والتجريب لتطوير الأداء والانتقال المدروس من تجربة لأخرى دون الالتفاف والجور على إبداعات الآخرين والتقليد الأعمى بصوره فجة.

ويسلّم الفنان سعيد العلاوي «تكرار الفنانين لبعضهم البعض يعد كارثة»، مستدركًا بقوله: ولكن لا يعيب الفنان أن يطلع على تجارب الآخرين لإشباع ذائقته البصرية ويشتغل على مبدأ خصوصيته والتراكمات التي تكونت لديه خلال مسيرته وحياته الفنية. وأعتقد؛ بل أجزم أن مثل هذه الظواهر الاستنساخ والسرقات الفنية لن تفيد الساحة التشكيلية السعودية.

ويذكر العلاوي بأن «العالم قرية صغيرة في حضرة وسائل التواصل الاجتماعي، ومقولة الفنان أن استنساخه مجرد «توارد خواطر» هو مجرد محاولة لنفي مزاعم تدور حول المنجز الذي يقدمه.