لا ينسى الموسيقار غازي علي، كلمات والدته، عندما طلبت منه حضور اختبار معهد الموسيقى في القاهرة، رغم وفاة شقيقه في صباح يوم الاختبار، معتبرًا كلماتها بأن لها تأثيرا كبيرا في حياته. ويعترف صاحب روائع «روابي قبا» و»شاربة من زمزم» و»ربوع المدينة» وغيرها، بأن الفن هو بالنسبة له الحياة، بدأ معه المشوار منذ ما يقارب الـ 60 عامًا، قائلا: «يكفي أن الفن علمني الإنسانية».

ويستطرد في حديثه اليوم مع «الأربعاء»، عن الذكريات ومشوار الفن والحياة، واصفًا تأثير فن «اليوجا» بـ «المؤثر» في مسيرته بصفة عامة، وكذلك دراساته الموسيقية بالقاهرة، وارتباطه بأسماء فنية لها مكانتها الكبيرة، وفي مقدمتها الموسيقار الكبير رياض السنباطي.

غازي علي فتح قلبه لـ «الأربعاء» في حواره اليوم، متحدثا بتلقائيته وبساطته وعفويته..

بداية الدراسة الموسيقية

•أستاذ غازي.. مشوارك طويل وحافل بمسيرة ذهبية وصلت بك إلى مكانة رفيعة كفنان أثبت حضوره بكل جدارة، لابد أن نبدأ المشوار من بدايته، من القاهرة، حيث كانت الدراسة الموسيقية المتخصّصة؟.

• ذهبت للقاهرة لدراسة الموسيقى عام 1959، كانت أول مرة أزور القاهرة، ذهبت لمعهد الكونسرفتوار، وقبل المعهد ذهبت للإذاعة المصرية لإجازة صوتي، كان محمد حسين شجاع هو رئيس اللجنة، كانوا يسمونه «غول اللجنة»، وبعد أن سمع صوتي قال لي «يا بني انت كويس وسوف نسجل لك أعمالك ولكن أنا أريدك أن تستغل صوتك (القرار) وتدرس أوبرالي». وفعلا فكرت في هذا الأمر، وسألت ووجدت معهد الموسيقى وبه مدرّس أوبرا اسمه كلاوديو فردي يهتم بهذه الفنون، ذهبت إليه لكي أدرس الصوت، وهناك سمعتني مدرّسة إيطالية مصرية اسمها جيلان، شجعتني وقالت لي صوتك «قرار» نادر به «باص» غير موجود، فحفّزني كلامها على الدراسة ودرست الصوت والعزف على البيانو لمدة سنة.

والدتي ووفاة شقيقي

في نهاية السنة كان عندي امتحان نهائي، وفي نفس اليوم الذي كنت استعد للامتحان، جاءني خبر وفاة شقيقي، كان الامتحان في العصر، وخبر الوفاة وصلني في الصباح، وسبّب لي الخبر ألمًا شديدًا، واتصلت بي الوالدة يرحمها الله، ووالدتي أعشقها ولا أستطيع أن أرد لها أي طلب، تعلمت منها الكثير، طلبت مني الذهاب لامتحان المعهد، وقالت لي: «هذه فرصتك وما جرى لأخيك سيجري علينا جميعا»، وقالت بالحرف «كلنا إلى مآل»، هذه الكلمة لم أنساها منها إلى هذا اليوم. وفعلا ذهبت للمعهد ومعي البرقية التي بها خبر الوفاة واطلعتهم عليها وقرروا إعفائي من الامتحان، ولكن مدير المعهد وهو إيطالي، سمع بما حدث، فقال لي: «سوف تؤدّي الامتحان بشكل أفضل مما تتوقع». وبدأت الامتحان، واثناء عزفي كانت صورة شقيقي الراحل أمامي، كان كبتن طيار، ومعي صورة له كتب خلفها «لا تحزن يا أخي شاءت الأقدار أن تفرّقنا»، بحكم أننا كنا في بلد وهو في بلد، وهذه الصورة لم تريحني، كانت لي بمثابة جانب من الألم في حياتي. المهم نجحت في الامتحان، ثم عدنا إلى السعودية فورًا.

ثم رجعت للقاهرة وذهبت إلى المعهد وقابلتني المدرّسة الإيطالية وطلبت مني الذهاب إلى معهد الكونسرفتوار، وكان الفنان أبو بكر خيرت افتتح مدينة للفنون بها معهد والدراسة مجانا، فقلت للمدرّسة هل أذهب، قالت نعم وأنا سأكون مدرّسة قسم الأصوات هناك. وعندما قدمت للدراسة هناك كانت المعاناة لأني بشهادة كفاءة متوسطة وكان المطلوب للدخول على الأقل شهادة الثانوية، وكان معي عدد من المتقدمين وجميعهم يحملون شهادة المتوسطة، فافتتح لنا الراحل خيرت هذا الفنان العظيم -يرحمه الله- قسمًا خاصًا لأصحاب الشهادات المتوسطة الذين يملكون الموهبة، وكانت الدراسة على فترتين، ودرسنا، وأكملنا الثانوية، وفي المعهد العالي طلبوا منا أن ندرس إلى جانب الدراسات الموسيقية الكلاسيكية التي كنا ندرسها للفنانين العالميين أمثال بيتهوفن وباخ وشوفان وغيرهم، أن ندرس أيضًا سيد درويش وعبده الحامولي وغيرهم من الفنانين الذين لهم قيمتهم ايضًا كموسيقى شرقية، وفعلا افتتح ابوبكر خيرت قسما للدراسات الموسيقية الشرقية واستقطب أعظم العازفين المدرّسين في ذلك الوقت، على العود جورج ميشيل، للتأليف الغنائي رياض السنباطي، على القانون عبدالفتاح منسي، ونخبة من الفنانين المدرّسين.

علاقتي برياض السنباطي

قررت بعد ذلك الانتقال من القسم الدراسي الموسيقي الغربي إلى الشرقي، فأنا لديّ أعمال موسيقية عربية، أغني للسنباطي، وأميل للموسيقى الشرقية، وذهبت لأبو بكر خيرت وطلبت منه النقل، واذكر أنه قال لي «أنت فنان حجازي ومن المدينة المنورة وأنا موافق». وفعلا درست في هذا القسم أربع سنوات، تعلمت الكثير، ومن أهم مكاسبي كانت توطيد علاقتي برياض السنباطي، لدرجة أنه كان يوصلني لبيتي يوميًا بعد خروجنا من المعهد، وللتاريخ كان يوصلني لأنني كنت في طريقه، وكنا وهو يوصلني يطلب مني الغناء، فكنت أغني له أغنيات غير مشهورة، منها أغنيات لشادية وهدى سلطان وهي أغنيات من ألحان السنباطي نفسه، وكان مبسوطًا بما أؤديه، وأصبح بيننا حب كبير ولقاءات وصلة جميلة اعتبرها من أجمل أيام عمري.

حكايتي مع اليوجا



ما قصتك مع فن «اليوجا».. أعرف أنها أخذت منك فترة ليست قصيرة؟.



في مكتبة مدبولي بوسط القاهرة شاهدت كتابًا عن «اليوجا»، كنت أعرف أنها فكر ونوع من التأمل، اشتريت الكتاب وطوال الليل لم أنم، قرأت الكتاب، جننّي، ووجدت نفسي في هذه «اليوجا»، وربطت بينها وبين الموسيقى فوجدت العلاقة بينهما متقاربة في أشياء كثيرة، و»اليوجا» دراسة عميقة، وتأخذ من العمر وقتا طويلا لدراستها وفهمها. وعندما كنت في لبنان سمعت عن معهد في بريطانيا لتعليم «اليوجا»، فذهبت أنا وصديق لبناني إلى السفارة البريطانية ببيروت، وسألناهم عن هذا المعهد، فقالوا ان هناك استاذا زائرا يأتي إلى مدينة برايتون كل شهرين لإلقاء دروس عن «اليوجا» فقد كان واهبًا نفسه لهذا الفن، وقررت الذهاب، كان عشق «اليوجا» قد تغلغل في داخلي، ومن الكتاب الذي اشتريته في القاهرة بدأت أطبق بعض التمارين كالجلوس تحت الشمس وغيرها، كنت أنوي المكوث في بريطانيا شهرين إلى ثلاثة أدرس «اليوجا» وأرجع.

كانت رحلتي من بيروت إلى لندن لا أنساها (يضحك ويقول: الآن كل ما أتذكرها أضحك واقول كيف سويتها)، ووصلت لندن ومنها إلى مدينة برايتون، ودخلت مدرسة لتعليم اللغة الإنجليزية، ودرست أيضًا «اليوجا»، واكتشفت أن ثلاثة أشهر لا تكفي لدراستها، ورحم الله الدتي فقد باعت فيلا لها في جدة لكي تصرف عليّ وأنا في بريطانيا، وعشت في برايتون خمس سنوات، من 1970 إلى 1975، رأيت الويل، وكنت راضيًا وقانعًا، ففي «اليوجا» تمارين صعبة جدا، وتحتاج إلى طقوس معينة.

وأقولها اليوم بصراحة، «اليوجا» قلبت حياتي.. طبعا إلى الأحسن، وقد يراني البعض بأنني معتوه، ولكن أنا سعيد بنفسي، فهي فن فيها عظمة وقيم وفلسفة. وكنت استغل إجازاتي في برايتون وأذهب إلى العاصمة لندن لأشاهد مسرحيات، كمسرحيات شكسبير، وغيرها. وأيضا أوركسترات فنية.

لم أرتح في الجمعية



بعد انتهاء دراساتك عدت إلى السعودية واتجهت إلى جمعية الثقافة والفنون.. صحيح؟.

• نعم.. عندما عدت للسعودية عام 1976 افتتحت فصلًا دراسيًا في جمعية الثقافة والفنون، كان عدد الطلاب في البداية 4 و5 إلى أن أصبحوا 24، واستمريت إلى عام 1979، وأقولها بصراحة لم ارتح في الجمعية، كنت أريد طلبة متفرغين، وأكثر الذين كانوا يدرسون موظفين غير متفرغين، كنت أريد شبابًا صغارا من 10 أو 12 سنة لنزرع فيهم حب الموسيقى، وكتبت طلبًا وكان معي فنان عازف اسمه مهران بلخيان، كانت خطتنا أن نذهب للمدارس ونكتشف المواهب الصغار ونقوم بتدريسهم وصقل مواهبهم، في فصل دراسي يوم واحد في الأسبوع، نضع فيهم النواة، وهذا ما يحدث في كل دول العالم التي تهتم بهذا المجال وتهتم بتنمية المواهب. كانت أحلامي كبيرة اصطدمت بواقع آخر. وللعلم أنا رفضت أن أكون رئيسًا للجمعية، فأنا لا أحب أن أكون رئيسًا ولا مرؤوسًا، أنا حر نفسي، والوضع بكل صراحة تلك الأيام لم يناسبني في الجمعية، فغادرتها وقررت أن أفتح جمعية لنفسي، وفعلا افتتحت فصلًا دراسيًا في منزلي، وبدأت المشوار، ولم اهتم إطلاقا بالأمور المادية، الطالب يدفع ما يستطيع على حسب مقدرته.

أغنياتي متاحة للشباب



لك أغنيات كثيرة شهيرة مثل «شربة من زمزم» و»روابي قبا» و»ربوع المدينة».. لكن أيضًا لك أغنيات رائعة لم تشتهر، وأنا كمستمع لغازي علي أذكر منها: «يوم نويتوا على السفر» و»ولفنا عليك» وهما من كلماتك و»وحشتيني» من كلمات الراحل يوسف رجب و»الموعد المنسي» من كلمات الأمير بدر بن عبدالمحسن، لماذا لم تشتهر هذه الأغنيات وغيرها؟.

• حقيقة لا أعرف، ولكنها أغنيات موجودة، ومن أراد الاستماع لها فجميعها موجودة ومحفوظة.



وهل توافق لو طلب أحد المطربين الشباب إعادة غنائها؟.

• طبعا يسعدني ذلك.

«يبعثرني الشوق» لماجدة الرومي



وماذا عن أغنية «يبعثرني الشوق» من ألحانك وكلمات الراحل الدكتور غازي القصيبي؟.

• هذه الأغنية وُلدت لكي تتغنى بها ماجدة الرومي في الفترة التي غنت فيها أغنيتها «كلمات».. ولكن لم يحدث هذا التعاون.. وقد سجلت الأغنية مؤخرًا بصوتي وموجودة على اليوتيوب. وللعلم لحنتها على شكل أوركسترا ووضعت صوتي فيها ككورال، ولحن كهذا عندما أود تسجيله اليوم بشكل أوبرالي فلن تقل تكاليف تسجيله عن نصف مليون ريال، وقد سمعها الراحل غازي القصيبي واعطاني تفويضا بها.

طلال مداح ليس له كاره



طلال مداح -يرحمه الله- من أكثر الفنانين الذين ارتبطت بهم، ولك ذكريات عديدة معه، ماذا تقول عنه؟.

• معرفتي بطلال كانت قبل أن يشتهر وحتى قبل أنا اشتهر، وكنا أصدقاء وحبايب. في بيروت كنا نجتمع هناك لكي يغني، وأنا كنت لا أزال طالبًا في القاهرة، وهناك سجلت له أغنية «سلام لله» عام 1964، وكان هذا أول تعاون فني بيننا، رغم أن صداقتنا كانت قبل ذلك بكثير.

ونحن في بيروت كان طلال يسألني عن القاهرة والأجواء الفنية بها، واتفقنا على مجيئه، وفعلا جاء إلى القاهرة واستقبلته، وأذكر أنه طلب مني لقاء الفنان أحمد الحفناوي، ولم يطلب الفرقة الماسية، بل فقط الفنان أحمد الحفناوي، وسجل في القاهرة عدة أغاني له، منها «أسمر من البر»، و»عيني علينا»، وأيضا سجل أغنية «يا سارية خبريني» وأنا غنيت معه فيها كورال كصوت عال. وفي فيلمه «شارع الضباب» لحنت له أغنية من كلمات ميشيل طعمة «اسمحوا لي أقولكم». وطبعا طلال هو أكثر مطرب سعودي لحنت له.

طلال مداح صديق وحبيب ولنا مواقف عديدة.. في بيروت سكنا سويًا في عمارة تملكها شقيقتي، وفي يوم جالسين وأذكر أنه كان متمددًا على السرير وأنا على الأرض وكنا نسمع الراديو وموسيقى عالمية.. بداية الموسيقى هادئة وجميلة وفجأة فيها دخلة قوية وصوت عال ولم أشاهد إلا طلال وهو يقفز من السرير على الأرض.. وضحكنا.. موقف لا أنساه أبدا.. إلى جانب مواقف كثيرة أخرى..

ولا شك أننا خسرناه بوفاته يرحمه الله.. وأنا قلت كلمة عفوية عند وفاته، قلت: «كل شي في الدنيا له محب وكاره حتى المطر، إلا طلال مداح ليس له كاره، الكل يحبه».

أنا ومشوار الفن



أستاذ غازي.. بعد هذا المشوار.. ماذا يعني لك الفن.. وهل مرّت فترة في حياتك ندمت فيها على دخوله؟.

• أبدًا أبدًا لست نادمًا على دخول الفن.. يكفي أنه علمني الإنسانية.. وأهم شي عرّفني بنفسي..

الفن علمني هذا الشيء.. علمني التأمل.. كيف اتأمل الأشياء.. وهذا ما جعلني بعيد النظر والتأمل.

وفاة شقيقي يوم الامتحان آلمني.. ووالدتي أمرتني

السنباطي كان يوصلني يوميا إلى منزلي بالقاهرة

رفضت رئاسة جمعية الثقافة والفنون.. وافتتحت جمعية في بيتي

«يبعثرني الشوق» كلمات غازي القصيبي ولدت لتكون بصوت ماجدة الرومي

أغنياتي متاحة للمطربين الشباب لمن يريد إعادتها

كل شيء في الدنيا له محب وكاره.. إلا طلال مداح الجميع يحبه