منذ سنوات ليست بعيدة كانت قهوة «بعرة» ملء السمع والبصر، ونقطة الانطلاق التي يخرج منها عمالقة الفن في مصر والعالم العربي؛ ليصعدوا سلم الفن منذ بدايته حتى القمة، أمثال رشدي أباظة وأحمد زكي ومحمود حميدة ومحمد هنيدي، إلا أنها تحولت الآن لمجرد أطلال خاوية على عروشها، بعد أن حل محلها مواقع التواصل الاجتماعي «السوشيال ميديا»، حتى صارت ضحية له.

استمدت قهوة «بعرة»، التي تقع في وسط القاهرة، وفي قلب شارع الفنون، على بعد خطوات من سينما كوزموس بإحدى نواصي شارع عماد الدين الشهير - أهميتها من كونها مركز إشعاع فني يبعد بضعة أمتار عن شارع عماد الدين مصنع السينما المصرية في زمن الفن الجميل؛ كونها وسيلة التواصل الوحيدة التي كانت بين الفنانين آنذك، وكان يتوجه إليها النجوم بعد انتهائهم من تصوير مشاهدهم للقاء بعضهم البعض، لكن الآن صارت مواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بأداء دور القهوة، فيتواصل النجوم مع الجمهور عن طريقها، ويتبادلون أخبارهم عن طريقها، فلم يعد للقهوة أي أهمية تدفع الفنانين لزيارتها.

كما كان المقهى همزة الوصل الوحيدة بين «الريجيسيرات» و»الكومبارس»، سواء بالحضور للمقهى لاختيار الممثلين بأنفسهم، أو عبر الاتصال تليفونيًّا بهاتف المقهى الذي كان الكومبارس لا يملك سواه كقناة تواصل مع باب الشهرة «الريجسير»؛ ولهذا فالمقهى كان قلعة الأحلام لراغبي الدخول إلى عالم الفن من الأقاليم، والذين يجلسون دومًا على المقهى لعرض ما بجعبتهم من موهبة على الحضور؛ لعل وعسى أن يتصادفوا بواحد من كشافي النجوم الذين يحضرون إلى المقهى بين الحين والآخر؛ للفوز بموهبة جديدة. غير أن الحال تغير، فبعد أن كان هاتف المقهى لا ينقطع عن الرنين أصبح الصمت يخيم حاليًا على المكان، ولا يوجد سوى أصوات تنبيهات الرسائل الذكية في الهواتف المحمولة.

بلغ المقهى عامه الـ79، ولكنه ما زال يحتفظ برونقه وكذلك نفس الصور المعلقة على الجدران، وعلى الرغم من مرور المئات بل الآلاف من المصريين عليه يوميًّا، دون أن يعرفوا قصته، إلا أن رواده الأوفياء ما زالوا يحفظون قصته عن ظهر قلب؛ حيث يفسر «عم محمد حسن» أحد رواد المقهى سر شهرته، بقوله: «كنت شاهدًا على بزوغ فجر العشرات من عمالقة السينما المصرية الراحلين والحاليين، مثل الممثل الراحل رشدي أباظة، الذي أطلق اسم «بعرة» على صاحب المقهى محمد الزناتي على سبيل المزاح، إلى جانب عادل إمام، محمود حميدة، الشحات مبروك، يوسف شعبان، توفيق الدقن، أحمد زكي، فريد شوقي، محمد سعد، أنور وجدي، ومحمد هنيدي، ممن بدؤوا حياتهم الفنية بالجلوس في القهوة».

ويروى الحاج سعيد محمود، ماسح الأحذية الجالس أمام المقهى، قصته مع رواد المقهى، مشيرًا إلى أنه مسح أحذية العديد من المشاهير، مثل «رشدي أباظة»، والذي أعطاه «حتة بخمسة» وكذلك الفنان أحمد زكي، وغيرهما من المشاهير.

ولفت إلى أن العمل داخل المقهى في الماضي كان يمثل متعةً كبيرةً له؛ حيث كان يأنس بوجود المشاهير، حتى إن شكل الأحذية اختلف، فبعد أن كانت «لميع» ومصنوعة من خامات مصرية تضاهي وتتفوق على العالمية، أصبح الرواد ينتعلون أحذية عادية وربما من النوع «الصيني».