كان أحدهم قد كتب مقالًا عن قضية الإمام أحمد من خلق القرآن في العهد العباسي، فظن أن تكفيره للقول بخلق القرآن ينسحب على بعض خلفائها، وأنه بذلك قد كفَّرهم، وادّعى أن موقفه هذا يُمثِّل - كما زعم - جذرًا للعلمانية، فرددتُ عليه بمقالٍ نُشر في هذه الجريدة في 24/4/1439هـ تحت عنوان: «جذر العلمانية لم يعرفه الإمام أحمد ولم يستعمله»، فعاد لتأكيد رأيه هذا بمقالٍ جديد تحت عنوان: «موقف أحمد بن حنبل من الدولة»، وأعاد أفكاره القديمة أن تكفير الإمام أحمد للقول تكفيرٌ لقائله، وبالتالي فهو تكفير لخلفاء ثلاثة من خلفاء بني العباس التزموا هذا القول، ولأن الإمام أحمد كفَّر القول، فمعنى هذا أنه كفَّرهم، ولكنه لم يخرج عليهم، فكان ذلك في رأيه إقرارًا منه بحكمهم؛ ليُطابق ذلك ظنّه أن العلمانية هي هذه، وما ظن ولا بلغ علمه أن الإمام أحمد وأئمة الهدى من علماء الإسلام في الأربعة مذاهب السنية لا يحكمون على أحد بالكُفر، إلا بعد أن تقوم عليه الحجة التي يُكفَّر تاركها، أما القول بأن من قال كذا فهو كافر، كقول الإمام أحمد - رحمه الله - ورضي عنه (أن من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر)، فهو قول مطلق لا يلزم منه تكفير قائله، وشرط تكفير الشخص المعين، فلا بد من قيام الحجة عليه، وأن تنتفي عنه موانع التكفير وتوافرت شروطه. ونقرأ في كُتب العلم الكثير من الإطلاقات، ونرى أن العلماء لا يُكفِّرون قائلها؛ ولهذا لم يؤثر عن الإمام تكفير أحد من خلفاء بني العباس بنصرهم للقول بخلق القرآن، حتى الخليفة الذي ناصر المعتزلة في هذا القول، وهو الخليفة المأمون بن هارون الرشيد لم يثبت أن الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة كفَّره، ورغم ذلك فالإمام أحمد استغفر لهم، ومعلوم أن الكافر لا يُستَغفَر له؛ لأنهم عنده متأولون قد أخطأوا، بل إنه لم يؤثر عنه أنه دعا عليهم، واشتهر الأمر بين العلماء، ولو كان صاحبنا هذا له اطلاع على العلم الشرعي لعلم ذلك، ولعرف أن تكفير القول لا ينسحب على قائله، إلا إذا أقيمت عليه الحجة، وغابت الموانع عن التكفير وثبتت شروط التكفير، وهو ما لم يتحقق في هذه القضية، التي حاول جهده أن يجعلها دليلًا أن في الإسلام علمانية، ولعرف أن كثيرًا من علماء السلف كان يقول الواحد منهم: (لو كان لي دعوة مستجابة ما صيّرتها إلا في الإمام)، أو يقول: (لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان)، فاللهم أنر بصائرنا يا كريم.