سبع سنوات مضت منذ اندلعت شرارة الحريق العربي، فيما اصطلح الإعلام الغربي على وصفه بـ»الربيع العربي».

سبع سنوات لم تدع في عالمنا العربي حجرا في مكانه، جرت وتجري خلالها، أوسع عملية لتحريك الجغرافيا أرضا وسكانا، ولإعادة كتابة التاريخ في منطقة ظلت مهد التاريخ ذاته وحاضنته الأكبر.

لا أعرف لماذا اختص (الربيع) العرب وحدهم دون سائر الأمم، هل كُنَّا وحدنا خارج سياق التاريخ الانساني؟!.. هل العرب فقط هم الأكثر احتياجًا للربيع؟!.. هل هذا الربيع العاصف، الشرس، القاتل، المدمر، هو سبيلنا الأوحد للعودة مجددًا إلى مسارات مؤثرة في الحضارة الإنسانية؟!.. هل كان ثمة سبيل آخر للانخراط في سياق حضاري مُؤثِّر ومنتج غير ربيع أحمر، اصطبغ بدماء ملايين العرب على مدى سبع سنوات؟!.

في تصوُّري فإن ما جرى ويجري في المنطقة العربية، كان في جانب منه تعبير عن شوق جارف للتغيير لدى شعوب الإقليم، وأن عجز حكومات وأنظمة أطاحت بها أيام الربيع العربي، عن الاستجابة لهذا الشوق الشعبي الجارف، دفع الشعوب إلى الميادين، لكن الحركة التي بدت عفوية، لم تكن في حقيقتها كذلك، كان هناك مَن ينتظرونها من خارج الإقليم، ومن داخله.

كانت منطقتنا، التي اختارتها قوى التنافس الدولي مسرحًا لسباقات الهيمنة على قرن ميلادي جديد، قد تأهلت لتلك المهمة، بفعل قرون من التكلُّس الفكري، والتخلُّف الحضاري، وتراجع الاهتمام بالعلوم أو حتى بمجرد القراءة.

أمة (اقرأ) أصبحت خارج سياقات حركة التاريخ لأنها كفَّت عن القراءة، وعن التأليف، وعن الترجمة.. راجعوا مؤشرات النشر، والتأليف، والترجمة، والقراءة، في العالم العربي، لتتأكدوا، أننا أمة اختارت الخروج طوعا من حركة التاريخ.

بانسحابنا اللاواعي خارج سياق التاريخ الإنساني على مدى القرون الخمسة الأخيرة، أصبحنا عالة على الحضارة الإنسانية، دون إسهامات أو إبداعات أو ابتكارات، وأذكر أنني تابعتُ حوارًا مع مُفكِّرين عرب، حول دور المجمع اللغوي في تعريب بعض مستحدثات العلم، مثل الهاتف بديلا للتليفون، والمرناه بديلا للتليفزيون، والجوال أو المحمول بديلًا للموبايل، والاستقبال بديلًا للريسبشن.. والمشهى بديلًا للكافيتريا، وقلت يومها لبعض المحاورين، إن ما يجري باسم التعريب هو عبث حضاري، لأن الإبداع الحضاري يفرض لغته، ولأننا نستطيع بالإبداع الحضاري وحده أن نصون لساننا العربي.

تراجع الإسهام العربي في مسيرة الحضارة الإنسانية، هو ما جعلنا في لحظة آثمة من لحظات التاريخ، مادة أولية للتغيير ولسنا صُنَّاع له.

في مقدمة كتابه الرائع (الدبلوماسية) يقول هنري كيسنجر (على رأس كل قرن، تنبثق أمة لديها القوة والإرادة والنخبة المؤهلة، والرسالة الأخلاقية، لإعادة تشكيل النظام الدولي كله طبقًا لقيمها).

على رأس القرن الذي بدأ مطلع الألفية الثالثة، راحت الولايات المتحدة تتطلع إلى بسط قيمها في العالم كله وعلى القرن كله، لكنها وجدت نفسها مشتبكة مع إطار حضاري مغاير تمامًا حملته إلى أراضيها رياح هجمات سبتمبر. لم تكن هجمات سبتمبر، هجوم دولة على أخرى، ولا قارة ضد أخرى، ولا حتى حضارة ضد أخرى، وإنما كانت هجوم زمن غابر، ضد آخر جديد.

ما جرى ويجري منذ اندلاع (الحريق العربي) قبل سبع سنوات، هو محاولة لرد هجمات خلايا الماضي على قلاع المستقبل.

ما لم تعمل دول المنطقة العربية على الاشتباك مع المستقبل والانخراط فيه، بإسهامات حضارية حقيقية، فإنها قد تصبح في دائرة الاستهداف بالقوة باعتبار أن الماضي الذي يحكمها بات خطرًا على مستقبل ينشده العالم لنفسه

.

الذهاب إلى المستقبل كآلية وجود، وحضور، وتأثير، مشروط بتعميق مستوى الرضا العام لدى جماهير تشتاق إلى مستقبل أفضل، وتتطلع إلى مشاركة أوسع، فالأمم لا تجسد حضورها التاريخي بالزحام، وإنما بمدى التأثير.

سبع سنوات عجاف قد انقضت منذ الشرارة الأولى للحريق العربي، فيما تتطلع شعوب اكتوت بنيران الحريق، إلى سبع سنوات من الرخاء، لن تأتي، ولكننا نحن مَن يتعيَّن علينا الذهاب إليها.