يُتابع صديقي الإسباني -من أصول أندلسيَّة عربيَّة- المستجدَّ على ما يجري شرق البحر الأبيض المتوسِّط من أحداثٍ داميةً، ذكَّرته -كما قال- بما حدث قبل خمسة قرون في إسبانيا، الأندلس، التي كانت مسلمة لثمانيةِ قرون. وسُرعان ما شاخت بعدها، ووهنت لعجز القائمين عليها الاحتفاظ بما حقَّقه لهم الأقدمون مِن تقدُّم ورقي، وإثراء للحضارة. فما لبث أن تصارع أمراؤها فيما بينهم، وهم يتقاسمون إرث آبائهم. وهكذا أخذ نسيج المجتمع –هناك- طريقه إلى التمزُّق. وانتهى الأمر بدخول الجيوش الأوربيَّة «الأندلس» بطلبٍ من المتقاتلين على الإرث. فكانت البداية الدامية للقضاء على المسلمين، وعلى غير المؤمنين بالمذهب الكاثوليكي

.

يقول صاحبنا: إنَّ اللعنة التي حلَّت بأجدادنا الأوائل، قد انتقلت عدواها لشعوب شرق البحر الأبيض المتوسِّط! تلك المنطقة التي وُلدت فيها القراءة والكتابة. ومن بين أبنائها اختار الله غالبيَّة أنبيائه ورسله لهداية البشر. ويضيف: إنه كان لنبيِّنا الكريم محمَّد عليه الصلاة والسلام إتمام مكارم الأخلاق. وقد التزم بتطبيقها خلفاؤه الأوائل وأطياف الأمَّة. وهكذا عمَّ بلاد المسلمين العدل والإخاء والمساواة وتكافؤ الفرص. ومع الوقت، ساد الترف والاسترخاء بين المواطنين ومن بيدهم إدارة شؤون البلاد، فرضوا بما حقَّقه الأجداد من أمجاد

.

بعد ذلك، أخذت خمرة العزَّة بالإثم مأخذها في تأجيج الخلافات فيما بين الحاكم ورموز أطياف الأمَّة المتعدِّدة. فكانت شرارة المطالبة بتبادل السلطة سلميًّا وما صاحبها من قمعٍ دموي أدَّى إلى طلب العون من غرباء طامعين في أراضي المسلمين وثرواتها، لإتمام مهمَّة القضاء على المعارضة. ثم أسرع هؤلاء إلى بلاد الشام بعدَّتهم وعتادهم يُقدِّمون خدماتهم. وفاز عرض دولة كبرى كانت تحلم منذ قرون في الوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسِّط الدافئة، مقابل المساعدة الفوريَّة في القضاء على المعترضين. ورَهَن حاكمها كامل تراب الوطن وما فوقه وما تحته.. فسالت دماء، وهُدّمت مدن وأرياف دفعت بملايين المواطنين إلى النجاة بأنفسهم، مهاجرين راكبين أمواج البحر، ومخترقين حدود الدول المجاورة، وما بعدها من أرض الله الواسعة، غير مُبالين بالموت غرقًا، ولا بصعوبة بناء حياة جديدة في بلدان الغربة

.

ويتساءل الصديق، وبلاد الشام في سنتها السابعة من عدم الاستقرار وفقدان الأمن والأمان، عمَّا إذا كانت هذه السنوات هي السنوات العجاف! وإذا كانت كذلك، فهل لنا التفاؤل بأنَّ تلك السنوات العجاف قد آذنت بالرحيل، وأنَّ سنوات الخير قادمة في الشهور القليلة القادمة، وستستعيد بلاد الشام مكانتها بين الأمم، وتساهم في مسيرة حياة أفضل للجميع؟، هو ما نسأل الله أن يتحقق.. وهو ولي ذلك والقادر عليه.