شاء القدر أن يُتوفّى والدُ زوجتي، محمّد قارئ يوسف، رحمه الله، في اسطنبول التركية خلال إحدى سفرياته إليها قبل ٣٠ عاماً، ولم تسمح الظروف بإحضاره للمملكة ودفْنه فيها، فدُفِن هناك في مقبرة تقع في منطقة «قاسم باشا» الشعبية، وهي مسقط رأس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان !.

وخلال زيارتي مؤخراً لتركيا قرّرتُ زيارة قبره، وليس عندي معلومات سوى اسم المقبرة، ومجاورة قبره لبئر ماء قد حُفِر سبيلاً لله، فاستخدمتُ تطبيق Google earth الناطق بالعربية، الذي لو كان آدمياً لنال الأجر بسبب تسهيله للناس وصولهم للعناوين المجهولة حول العالم، ولعلّه يشفع لمخترعه غير المسلم يوم القيامة !.

وهكذا انطلقتُ بالسيّارة من شارعٍ لآخرٍ في منطقة «قاسم باشا» المكتظّة بالسُكّان، ورأيتُ معيشة الأتراك البُسطاء على الطبيعة، إنّها رائعة وفيها من حُسْن الجيرة والصلة الشيء الكثير، والشوارع ضيقة، ويحصل كثيراً أن أجد شارعاً مغلقاً لأتجاوزه لآخر، فيُعدّل التطبيق من توجيهاته : اتّجه لليمين بعد ٢٠٠ متر .. عند الدُوّار اسلك المدخل الثاني .. اتّجه لليسار مع الطريق المنحدر .. وهكذا حتّى وصلت للمقبرة، بينما كانت السماء تُمطِر، وأذانُ المغرب المُوحّد يُرفع من مساجد اسطنبول الجميلة، لكن كيف عرفت القبر بين آلاف القبور؟ وهناك العشرات من الآبار المحفورة حديثاً في ممرّات المقبرة لا بئرٍ واحدة فقط؟ .

هنا تجلّت شهامة الأتراك وحبّهم للسعوديين، أهل الحرمين الشريفين، إذ ما إن عرف بعضُ جيران المقبرة عنّي حتّى رحّبوا بي، وضيّفوني شاياً تركياً، وتطوّعوا لإرشادي للقبر، وهرعوا يجوبون المقبرة الكبيرة المُنشأة على تلّ منحدر، حتى وجدوا القبر الذي تأكّدتُ منه بمشاهدة اسم والد زوجتي محفوراً على قطعة رُخام بجانبه، قد صَمَدَت أمام العوامل الجوية طيلة عقود، وبالمناسبة فإنّ كلّ قبر في تركيا محفوظ لصاحبه الميت لأنّ أراضي القبور تُشترى بالمال للأبد !.

رحم الله والد زوجتي، هو وجميع موتى المسلمين، وكان البحث عن قبره مهمّة مثيرة ومغامرة صعبة، لكن سهّلتها التقنية، والنيّة الحسنة، وشهامة الأتراك العفوية!.