بعض القضايا التي يعاني منها بعض أفراد المجتمع تقع أحيانًا في منطقة (رمادية)، يحتار المراجع حول الجهة المسؤولة عنها، فكلما يذهب إلى جهةٍ تقوم بتحويله إلى جهةٍ أخرى، نافية مسؤوليتها عن تلك القضية، ومن هذه القضايا قضايا الخدمات العامة والتصاريح التي تُقدِّمها بعض الجهات الحكومية، فجهة تقدم موافقة على تصريح، ولكن تلك الموافقة تكون مبنية على موافقة جهة أخرى تعمد إلى المطالبة ببعض الشروط، والتي قد ترفض الجهة الأولى تطبيقها؛ مما يجعل المستفيد في حيرةٍ من أمره، فكيف يمكن أن يأخذ موافقة جهتين لنفس الرخصة، وكل منهما يطلب طلبات تعارض الجهة الأخرى، أو قد تمنح جهة ما رخصة لبناء تعترض عليها جهة أخرى، وهكذا.

بالأمس نشرت صحيفة (عكاظ) تغطية صحفية بعنوان: (السطحية والجوفية) تتحول إلى أزمة بين قطاعين، وجاءت تلك التغطية إلحاقًا بجولة الصحيفة والتي نشرت بعنوان: (تعرَّف على حي كيلو 11 من مياه المجاري) المنشورة في 17/3/1439هـ، وتضمن التقرير الخلاف بين أمانة جدة والشركة الوطنية للمياه، حول مَن يتحمَّل مسؤولية تلك الطفوحات؛ حيث تستند الأمانة على تحميل شركة المياه المسؤولية، بناء على ما ورد في قرار مجلس الوزراء رقم 125 وتاريخ 25/4/1422، والذي حدَّد مهام وزارة المياه، ومنها الإشراف على قطاع المياه ومرافقه وإدارته ومراقبته وتنظيمه، وإعداد برنامج متكامل لتعميم شبكات الصرف الصحي والمياه على المحافظات والمراكز، في حين عمدت شركة المياه إلى رفض تحديد الأمانة مسؤوليات الجهات المختصة، وليس لها حق توزيع الأدوار والمهمات، وأن حي كيلو 11 من الأحياء غير المدروسة والمخططة؛ ما أدى إلى عشوائيتها، ومن نتائجها الطفوحات والتلوث وتردي الخدمات.

هذا نموذج لبعض القضايا التي يعاني منها بعض أفراد المجتمع، والتي يتم من خلالها تقاذف المسؤولية بين جهات عدة، والضحية في نهاية المطاف هو المواطن، والذي لا يعرف إلى أين يتجه، فكل جهة تُخلي مسؤوليتها وتطلب منه مراجعة جهة أخرى، وهو في نهاية المطاف الخاسر الأكبر، فقد استثمر ماله وجهده ووقته في سبيل الحصول على (بيت العمر)، غير أنه في نهاية المطاف يقع ضحية تقاذف المسؤولية، فكل جهة تُؤكِّد له بأنها تسير وفق الأنظمة والقوانين المعتمدة لديها، فهناك جهة قدمت تصاريح الموافقة وهناك جهة اعترضت، وهناك مقاول توقف عن إكمال المشروع، وهناك خطوط لخدمات أخرى تعترض المشروع وتحتاج إلى موافقات تلك الجهات... وغيرها من الأسباب المختلفة، والتي لا ذنب للمواطن فيها إطلاقًا.

الأمثلة على مثل هذه القضايا كثيرة، ولا بد من إيجاد مرجعية موحَّدة يتم من خلالها إنصاف المواطن، إذا اختلفت الجهات الحكومية الخدمية بينها، أو قدَّمت طلبات متعارضة، خصوصًا وأن المواطن يتضرر كثيرًا؛ جراء مثل هذه الخلافات، التي لا ذنب له فيها.