مُنذُ الطّفُولَة، كَانَت لَديَّ هِوَايَات كَثيرَة، مِن ضِمنها جَمْع الفَتَاوَى الغَريبَة عَن النَّاس، وقَد تَكلَّلت هَذه الهوَايَة بالنَّجَاحِ والفَلَاح، وتَمخَّضَت عَن كِتَاب صَدَر قَبْل سَنوَات، عَن المَركَز الثَّقَافِي العَربي بعنوَان: «الغُثَاء الأَحوَى فِي لَمِّ غَرَائِب وطَرَائِف الفَتوَى»..!

ومَع الوَقت، زَادت الهِوَايَات، فصَار مِن هِوَايَاتي المَشْي، وأَثنَاء اهتمَامي بهَذه القَضيَّة، صَادَفتُ فَتاوَى تَتنَاول المَشْي وأَحكَامه، فقُلتُ لعَقلِي -وهو عَقلٌ جَبَّار أَحيَاناً-: «إنَّها فُرصتك لتَضرب عصفُوريْن بحَجرٍ وَاحِد». إذْ عَثرَتُ عَلَى فَتوَى فِي أحَد المَواقِع، حَول مَسأَلة إمسَاك الزَّوجين؛ بأَيدي بَعضهما أَثنَاء المَشْي، حَيثُ تَقول الفَتوَى: (يَجب عَلَى الرَّجُل وامرَأته؛ إذَا سَارَا مَعًا فِي الشَّارع، أَنْ يَتحلَّيَا بالحِشمَة، ويَتَّصِفَا بالوَقَار، وخَاصَةً إذَا كَانَا مُلتزميْن بأحكَام الدِّين، وآدَاب الإسلَام، فإنَّ النَّاس فِي العَادَة، يَتّخذونهمَا قُدوَة، ويَنظرون إليهمَا نَظرة تَبجيل واحترَام، فلابدَّ مِن مُرَاعَاة ذَلك..!

وقَبْض الرَّجُل عَلَى يَد امرَأته وهُمَا يَسيرَان، الأَصل أَنَّه لَا شَيء فِيهِ، ولَا حَرَج عَلَى وَاحِد مِنهمَا فِي ذَلك، بَل قَد تَقتَضيه المَصلحَة، كَأنْ يَكون سَيرهمَا فِي شَوارع مُزدَحمَة ونَحوه. غَيرَ أَنَّ مِثل هَذه الأمُور؛ يَنبغي فِيهَا مُرَاعَاة عُرْف النَّاس، فِي المَكَان الذي يَعيشون فِيهِ، فإنْ كَان ذَلك مِمَّا يَعتَاده أَهل المروءَات، والحُفَّاظ مِن النَّاس، فلَا بَأس بِهِ، وإنْ كَان مِثل ذَلك مِمَّا يَخلُّ بمروءَة فَاعِله، أَو يَقدَح فِي أَدبهِ وخُلقهِ، كَأن يَكون العُرف أَنْ لَا يَفعَل ذَلك؛ إلَّا الفُسَّاق أَو الكُفَّار أَو مَا أَشبَه ذَلِك، لَم يَجُز للزَّوجين أَنْ يَفعَلَا ذَلك، بمَرْأَى مِن النَّاس..!

عَلَى أَنَّه حَيثُ يَكون الإمسَاك بيَد الزَّوجَة فِي الشَّارع؛ مَقبولاً فِي العُرف، كَمَا هو عَادة أَكثَر النَّاس، فإنَّ إمسَاك اليَد المَقبُول عُرفًا، هو الذي يَدلُّ عَلَى الاصطحَاب، أَو المُسَاعَدَة، أَو نَحو ذَلك، وهو يَختَلف عَن طَريقة الفُسَّاق فِي إمسَاك يَد المَعشُوقَة، الذي هو نَوع مِن زِنَا اليَد، فيَنبَغي التَّنبُّه إلَى عَدم التَّعدِّي فِي الأَمْر المُبَاح، أَو الخرُوج بِهِ إلَى مُشَابَهة أَفعَال الفُسَّاق)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: قَد يَرَى البَعض أَنَّ هَذه الفَتوَى مَضيَعة للوَقت، وقَد يَرَاهَا البَعض الآخَر؛ فَتْحًا فِقهيًّا مُهمًّا، يُضَاف لإنجَازَات بَعض الفُقهَاء، ومِن حَقِّ كُلّ إنسَان أَنْ يُبدي رَأيه، أَمَّا أَنَا، فلَن أَقول رَأيي لسَببيْن، أَوّلاً لأَنَّه لَيس رَأياً مُهمًّا، ثَانياً لأنَّ أَسَاتَذتي الكِبَار فِي الصَّحَافَة، عَلّموني أَنَّه لَيس مِن الجَيّد؛ أَنْ يُعطِي الكَاتِب رَأيه، حَتَّى لَا يَغلق بَاب الاجتهَاد فِي وجُوه القُرَّاء..!!