لَا أَدري مَا الفَائِدَة التي يَجنيهَا المَريض؛ حِين نَهدي لَه بَاقةً مِن الزّهُور، لَا تَنفَعه ولَا تُفيده فِي شَيء، سِوَى أَنَّها تَقليدٌ للآَخَرين، لَا يَحمل أَي جَوَانِب إضَافيَّة للحيَاة أَو للمَعرفَة..!

أَتذكَّر أَنَّني حِين مَرضتُ مَرَّة مِن المَرَّات، زَارني أَحَد الأَصدقَاء فِي المُستشفَى، ومَعه رَجُلَان يَحملان بَاقَةً مِن الوَرد، ويَبدو أَنَّه اشترَاهَا بثَمنٍ غَير زَهيد.. تَركهَا فِي غُرفتي، وحِينَ أَردتُ المُغَادرَة، استَأجَرتُ مَن يَحملهَا؛ ليَرميَها فِي أَقرَب سَلّة للمُهمَلَات، بَعد أَنْ ذَبلت ومَاتَت، ولَا أَقول إلَّا: «سَامَح الله ذَلك الصَّديق؛ فقَد أَتعَب نَفسه وأَتعَبني، والحَمد لله أنَّ هَذه الحَادثَة تَمَّت قَبل إقرَار ضَريبة القِيمَة المُضَافَة، وإلَّا كَانت التَّكلفَة أَغلَى، والحَسرَة أَمرّ..!».

لَيتنَا نَستَبدل عَادَة إهدَاء الزّهُور للمَريض، بإهدَاء الكُتب، خَاصَّة وأَنَّها سُنّة تُراثيَّة حَسنَة؛ حَيثُ تَذكُر الكُتب أَنَّ مَولَانا «أبوعثمان بن بحر الجاحظ» عِندَما زَار الوَزير الأَديب «محمد بن عبدالملك الزيات»، فِي فَترة مَرضه، أَهدَاه كِتَاب «سِيبويه»، فتَسلّم الوَزير الهديّة فَرِحًَا مَسرورًا، وقَال لـ»الجاحظ»: (والله مَا أَهديتَ لِي شَيئًا أَحبَّ إليَّ مِنه)..!

يَقول أَحدُهم: (لَيس ضَروريًّا أَنْ تَهدي حَبيبتك وَردَة حَمرَاء؛ لتَحتَفل بعِيد الحُب.. لِمَاذَا لَا تُفكِّر بكِتَاب، سَوَاء كَان رِوَايَة رُومَانسيَّة أَو اجتمَاعيَّة، أَو كِتَاب شِعرٍ؟.. إنَّ إهدَاء كِتَاب إلَى مَن تُحبّ، يُعبِّر عَن مَشَاعِر مُميَّزَة وصَادِقَة، حَتَّى لَو كَان لَا يُحبّ القِرَاءَة، أَو لَا يَجد وَقتًا للمُطَالَعَة)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول، هُنَاك نَظريَّات تَقول: «إنَّ قِرَاءَة الكُتب نَوعٌ مِن العِلَاج، وأَعتَقد أَنَّ هَذا مَدخل جَميل ورَائِع؛ لإطلَاق حَملة بعنوَان: «إهدَاء الكِتَاب بَدلًا مِن الزّهُور»، فلَعلَّ المَريض إذَا قَرأ الكِتَاب المُهدَى إليهِ، يَستَعجل التَّعَافِي، ويَستَدعي سُرعة الشِّفَاء..!!