اعتبر الشاعر عبدالله بيلا أن حصوله على المركز الأول في جائزة السنوسي الشعرية «قلادةً إبداعية مميزة» سيفاخر بها، مشيرًا إلى أن قيمة الجائزة المعنوية تكمن في كونها تحمل اسم شاعر وتحت إشراف شاعرٍ حقيقيٍ عارفٍ بالجمال.. بيلا رفض أن يصف ما يطرحه من آراء حول بعض القصائد بالرؤية النقدية، مبينًا أنها مجرد «انطباعات» لا تستند إلى آليات رصينة، ممتدحًا «منتدى الحروف» بمكة المكرمة، بالإشارة إلى أنه شكل نقلة حقيقية في تجربته الإبداعية الشعرية.. هذه الآراء وغيرها في حوار «الأربعاء» مع الشاعر عبدالله بيلا..

استكشاف



كيف يبدو عبدالله بيلا الإنسان والحرف والكلمة؟

أنا أحد أولئك الذين تشرفوا بأن تكون مكة هي حاضنتهم الأولى، ولدت لأبوين مهاجرين بسيطين طيبين محبين مربيين، ومنهما تعلمت كل ما يمكن أن يكون قوامًا لحياتي وتجاربي، وما زلت أحاول قدر الإمكان أن أقتفي آثار الإنسان داخلي ومن حولي، ويبدو أنّها محاولة عسيرةٌ وعرة المسالك، ولكنها جديرةٌ بأن أمنحها ما تستحقه، ومثل هذه المحاولات الاستكشافية لا يمكن لها الاستغناء أبدًا عن الكلمة، مقروءةً أو مكتوبة، وكل ما كتبته وأكتبه وسأكتبه يدور في هذا الفلك.

نقلة



إلى أي حد أثرى منتدى الحرف بمكة تجربتك؟

منتدى الحرف الأدبي بمكة هو محض جهدٍ أدبي فردي، تُعقد لقاءاته مرة واحدة كل أسبوع، ومن أبرز أعضائه الشعراء محمد عمر فلاته، ومحمد سيدي، وعبدالله ناجي، وياسر جياكتا، وسليمان سالم، وغيرهم ولم يكن له من قوامٍ يستند عليه إلاّ تلك الطاقة الخلاّقة والإرادة الحقّة للتطوير والتغيير واستيعاب كل تجارب الإبداع، ومقاربتها ومناقشتها، والاستفادة من كل المدارس الإبداعية والنقدية الكلاسيكية والحديثة، وكوني من المنضمين أخيرًا إلى المنتدى فإنني أظن أنَّ المنتدى قد شكّل النقلة الحقيقية لي في الكتابة وأثرى تجربتي الإبداعية ولا يزال، ولا أظن أنَّ فكرة المنتدى تتجاوز النهوض بالتجربة الفردية لكل أعضائها، بعيدًا إشكالات المشهد الإبداعي السعودي، ومن ثمَّ يمكن لكل تجربة أن تعبّر عن ذاتها كما تريد.

قلق



«قصيدة النثر» مازالت تصارع.. ألا يثير الانحياز لها شيئًا من القلق؟

أظن أن إشكالية التسمية قد أصبحت من الماضي، وقصيدة النثر حاضرة بقوة ولها روّادها ورموزها ومبدعوها، وقد استطاعت أن تتجاوز إشكاليات المرحلة بين

القبول والرفض، لتخترق ما يزيد عن نصف قرنٍ من الإبداع، وتمثل أمامنا الآن بنماذجها الإبداعية الأكثر تطورًا والأعمق تجريبًا وانفتاحا. وكقارئٍ يستمتع بالإبداع بغضِّ النظر عن تجنيساته ومسمياته، لا أجد أيَّ داعٍ للقلق من انحياز المبدعين إلى شكلٍ دون آخر في الكتابة، المهم أن يضيفوا إلى المشهد الإبداعي ما يستحق أن نقرأه ونُعجَب به.



لكن الحرّاس القدامي يرون في خروج القصائد عن «نهج الخليل» عجزًا؟

الإشكال هنا شكلي يبعدُ عن المعنى واللغة والفكرة، ولا أجد أي إشكال في الخروج عن النهج الخليلي، والكتابة في أيِّ قالبٍ شعريٍ متاح، يشعر فيه المبدعُ بقدرته على العطاء بشكلٍ أفضل، العبرة في التحديث من داخل النص، وليس في الشكل الخارجي، نعم ربما يكون من العسير جدًا تحديثُ النص الخليلي بالموازاة مع النص النثري، لأسباب كثيرة، ولكن لنعطِ الفرصة للجميع والإبداع هو الحكم.

تفوق



هل أخذت الرواية مكان الشعر في ديوان العرب كما يروّج؟

لكل زمنٍ فكرتُه ومقولاته الذائعة، وهي في الغالب رأي يصدر من ناقد أو أديب ثم سرعان ما يتحول إلى موقف جماعي، يتم تبنيه فكريًا لخلق واقعٍ جديد، وبغضِّ النظر عن كون الشعر ديوان العرب، أو أننا في زمن الرواية، لا أجد ما يمنع فنًا من التفوق على فنٍ آخر، إذا ما توافرت الشروط الإبداعية، الصمود هو للأفضل والأصدق والأعمق، سواءً كان ذلك شعرًا أم روايةً أم قصةً أم اغنية ... إلخ.

وهج



مسابقات الشعر هل قدمت شعراء لهم ثقلهم؟

كل مسابقة شعرية سواءً اتفقنا أم اختلفنا مع شروطها تظل في نظري بمثابة الشمعة التي تنير واقع الشعراءِ المحبط، بغضِّ النظر عن مسارات تلك المسابقات ومدى صدقيتها وصرامة اشتراطاتها، لأنَّ هذا أمر يختلف من مسابقةٍ إلى أخرى، لذلك أظنَّ أنَّ هذه المسابقات قد خلقت لنفسها الوهج المستحق، واستطاعت أن تُبرز إلى الساحة الشعرية أسماءَ إبداعية متميزة، ما كانت لتحوز على الشهرة والذيوع لولا مشاركتها في هذه المسابقات.

دوائر



الوصاية تناوش الثقافة في كل أنشطتها برأي البعض.. فما قولك؟

هناك وصاية يفرضها المبدع على إبداعه، وهي المرحلة الأولى في الكتابة، وهي تنبع من إيمان المبدع بحدودٍ ما، يجب عدم تجاوزها في الكتابة، أو من خوفه من الوصاية الاجتماعية التي تضع هي أيضًا حدودًا أكثر تشددًا في الغالب أمام المبدع، وهكذا ينتقل المبدع من وصايته على ذاته المبدعة، إلى وصاية المجتمع على إبداعه، إلى وصاية المؤسسات الثقافية الرسمية عليه وعلى إبداعه وتنميط فكرة محددة للمجتمع، وهكذا تبدو دوائر الوصايات التي لا فكاك منها في أيِّ مجتمعٍ قيَمي، وما دام الأمر كذلك فمن الطبيعي أن نجد من يمارس دور الوصي وحارس الفضيلة في المناشط الثقافية والإبداعية.

لا فكاك



وماذا عن كتّاب الأعمدة الصحفية مع الرقيب؟

لا أظن أنَّ هناك من يستطيع الجزم بأنَّ هناك حريةً لا سقف لها في الكتابة الصحفية، نعم ربما هناك تابوهات قد تم تحجيم السلطة الرقابية عليه، ولكن بشكل عام لا تزال هناك حدود تُرسم للكاتب وعليه ألاّ يتجاوزها إن كان حريصًا على مواصلة الكتابة، ويظل الرقيب حاضرًا ومؤثرًا، ولا فكاك من الرضوخ لكثير من ملاحظاته والقبول بها.

مساءلة



إلى أي مدى يمكن أن يؤثر تكرار الأسماء في ضعف الفعاليات وهل لـ»الشللية» دور في تمثيلها خارجيًا؟

قبل الحكم أظن أنَّ الإنصاف يقتضي الوقوف على هذه الفعاليات ومنظميها، ومساءلتهم عن الاشتراطات الموضوعة للمشاركة في مثل هذه الفعاليات، وهل هي عن طريق الاختيار من المؤسسات أم عن طريق الترشيح الشخصي، عندها يمكن الحكم بشللية فعاليةٍ ما ورصانة وصدقية فعاليةٍ أخرى.

انطباعية



لك بعض الآراء النقدية.. فمن أي الزاويا تنظر إليها؟

لم أكتب في نقدِ الشعر إلاّ النزر اليسير جدًا، وما أكتبه أحيانًا من آراء نقدية خاصة في الشعر، هي آراء انطباعية غير محتكمة لآليات النقد الرصينة، لأنني أكتب عفوَ الخاطر ما أحس به وأشعر، ولذلك أجد الكتابة النقدية متى ما جاءت متوازيةً مع النص الشعري دون إخلالٍ بقواعد النقد الأصيلة، فإنها تكون بمثابةٍ فعلٍ جماليٍ متولدٍ عن فعلٍ جماليٍ آخر، ولا يبعدُ هذا العمل كثيرًا عن الشعر.

أسف



انصرف الناس عن الشعر.. فكيف يمكن للشعراء أن يعيدوهم؟

من المؤسف أن تجد الشاعر يتشكّى ويتسخّط، نادبًا الماضي، ومتحسرًا على فوات زمن الشعر، أتأسف لمثل هكذا حال لأنّها باختصار مجرد صدى لصوتٍ لا حقيقة له، ذلك الصوت الذي يقوم بتزمينِ الإبداع بشكل غير منطقي، فهذا زمن الشعر، وذاك زمن الرواية، وذلك زمن القصة..! أتأسف للمثال السابق لإيماني بأنَّ الشعر لم يزل من أكثر وأبلغ وأقرب طرق التعبير الإنساني، وأنّ الشعر الصادق النقي القريب من مواجع الإنسان وآلامه وآماله قادرٌ على لفتِ انتباهه وحرفِ اتجاه بوصلته.

مشرعة



من أي المنافذ تدخل إلى قصيدتك.. وكيف يكون الخروج منها؟

لا باب ولا نوافذَ ولا بيت للقصيدة، إنها مُشرعةٌ متاحةٌ كالأبد العاري، نحن مولودون فيها وسائرون منها وإليها، لذلك لا أجدُ أنّ هناك أي مخرجٍ واضحٍ للقصيدة، وهذا أفضل لها في وجهة نظري.

أنانية



لم لا يصغي الشعراء إلى الشعراء؟

ليس كل الشعراء يفعلون هذا، بل ولا جُلهم، أظن بأنَّ الشاعر مستمع جيد، وإذا كان من الشعراء من لا يصغي إلاّ إلى قصيدته، فذلك شأنه، ولكنه بهذا السلوك يعطي انطباعًا عن أنانيةٍ متأصلة فيه، وأضعف الإيمان إن لم يساند الشعراءُ بعضهم بعضًا، أن يتظاهروا بالاستماع إلى بعضهم.

فخر



مجموعتك «صباح مرمم بالنجوم» حصلت على المركز الأول لجائزة السنوسي.. فكيف تقرأ هذا الفوز؟

أعتز بهذا الفوز، وأعتبره قلادةً إبداعية مميزة سأفاخر بها ما حييت، وهذا يرجع إلى قيمة الجائزة المعنوية المهمة، وعدد الأعمال الشعرية المشاركة فيها، وكونها تحت إشراف شاعرٍ حقيقيٍ عارفٍ بالجمال ومؤمنٍ به (محمد إبراهيم يعقوب)، بالإضافة إلى كون هذه الجائزة مرتبطة بجازان الشعر والخصب والحياة، وباسم شاعرٍ من رواد الحركة الشعرية السعودية بجازان، كل هذه الأسباب تجعل مساحات الغبطة شاسعة وبلا حدود في روحي، بعد فوزي بها.

حاضنة



ماذا يمثل منتدى عبقر الشعري بأدبي جدة؟

منتدى عبقر بأدبي جدة يمثّل حاضنة حقيقيةً للعمل الإبداعي والشعري خصوصًا بمختلف أشكاله، ومنذ زيارتي الأولى للمنتدى بدعوة كريمة من المشرف العام عليه الشاعر عبدالعزيز الشريف، الرجل المحب للشعر والأدب بشكل عام، والذي استطاع في فترةٍ وجيزة أن يفعل ما عجزت عنه الكثير من الأندية الأدبية، برغم كل الإمكانيات المتوفرة لها، ومنذ تلك الزيارة وما تلاها من الزيارات، والفعاليات المختلفة، اتسعت مساحة العمل الإبداعي المنظَّم والذكي، وهذا يُحسب للشاعر عبدالعزيز الشريف وفريق عبقر المميز، الذي رافقه في كل تلك الفعاليات، وحقيقة القول أنَّ منتدى عبقر جعلني أكثر إيمانًا بفاعلية العمل الإبداعي وقدرته على الإنجاز متى ما توفرت الإرادة الحقيقية، ولا أنسى شكر الشاعر عبدالعزيز الشريف على دعمه المتواصل والذي أثمر عن طباعة مجموعتي «صباح مرمم بالنجوم» بنادي أبها الأدبي، فله ولنادي أبها الأدبي كل الشكر والتقدير.