لَم أَتمنَّ في حياتي أن ألتَقي أَديبًا مِصريًّا؛ مِثلَمَا تَمنيتُ أَنْ أُقَابِل الأَديب والفَيلسوف المِصري الكَبير «لويس عوض»، الذي رَحِلَ عَن دُنيَانَا مُنذ 25 عَاما، فقَد مَكَثتُ أَسَابيع؛ وأَنَا أَتجوَّل فِي أُطروحَاتهِ الفِكريَّة وسِيرته الذَّاتية، وأَبهَرني بالشَّفَافيَّة العَالية التي يَتمتَّع بِهَا، والصِّدق مَع النَّفس، قَبل أَنْ يَكون صَادِقا مَع غَيره..!

لقَد تَوقَّفتُ طَويلا عِند سِيرته الذَّاتيَّة، التي تَحمل عنوَان: «أَورَاق العُمر»، وكَم كَان شُجَاعا عِندَما تَكلّم عَن أُسرته «آل عوض»، ووصفهَا بأنَّها أُسرَة لَا مُستَقبَل لَهَا، وأنَّهَا سَوف تَنقَرض كَمَا انقرَض الدِّينَاصور، وكُلّ ذَلك –

ببسَاطَة- لأنَّها أُسرَة عَاجِزَة عَن التَّكيُّف مَع البِيئَة وظرُوف الحيَاة.. اسمَعه يَقول فِي سِيرته «أَورَاق العُمر»:

(نَحنُ «آل عوض» لَنَا بَعض الخَصَائِص النَّفسيَّة والأَخلَاقيَّة المُشتركَة، قَد تَكون مُجسّمة عِندَنا أَكثَر مِن غَيرنَا، ومِن هَذه الصِّفَات أَنَّنا لَا نَكذب، ولَا نَعرف كَيف نَكذب حَتَّى للمُجَاملة، أَو تَجنُّب الحَرَج، أَو الخرُوج مِن المَآزق. ومِنهَا أَنَّنا عَاطِلُون عَن الذَّكَاء الاجتمَاعي، وهَذا مَا يَجعلنا نَعيش فِي عُزلة نِسبيَّة، مَهمَا كَانت دَائِرة مَعارفنَا وَاسِعَة. ومِن «رَذَائِلنَا» أَنَّ المَبَادئ لَهَا عِندَنا المَقَام الأَوَّل، ولَو أَدَّى ذَلك إلَى إغضَاب الغَير.. وأَقول: إنَّها مِن رَذَائِلنَا، لأنَّ ذَلك يَتعَارض –

أَحيَاناً- مَع فَضيلة التَّسَامُح، التي تَحتَاج إليهَا الإنسَانيَّة فِي كُلِّ زَمَانٍ ومَكَان، وإحسَاسنا بالوَاجِب مُتطرِّف. وبَعض أَفرَاد «العوضية» يحسّون إحسَاسا عَميقا لَيس بفرعُونيّتهم، وإنَّما أَيضا بأنَّهم مِن نَسل ملُوك مِصر القَديمَة)..!

حَقًّا، إنَّ «لويس عوض»؛ عَالَم كَبير مِن الدَّهشَة، والصَّرَاحَة، والمَتَانَة العِلميَّة، فهو الفَلَّاح البَسيط الذي نَبغ فِي مَدرستهِ وجَامعتهِ، وبَعد التَّخرُّج ابتُعث إلَى إحدَى أَقوَى الجَامِعَات فِي الدَّنيَا، ليَحصل عَلَى الدّكتورَاه فِي الأَدَب الإنجلِيزِي مِن جَامعة «كمبردج»، ويُثبت أنَّه رَجُل حَقيقي، جَمَعَ بَين العِلْم والصِّدق، والإخلَاص للمَبَادئ، والوَفَاء للقِيَم التي تَشرَّبهَا..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَنْ أُؤكِّد عَلى أَهميّة قِرَاءة السِّيَر، وأُنَادي مِن هَذا المِنبر قَائِلا: أَيُّها القَوم، احرصُوا عَلَى قِرَاءة السِّيَر الذَّاتيَّة للأَشخَاص المُتميّزين، فهي كَبسولات مَعرفية، كَيف لَا، وهي تَختَصر حيَاة 60 سَنَة فِي كِتَاب تَقرأه فِي سِت سَاعَات..!!