أَحيَاناً، يَجب أَنْ تَتوقّف عِند بَعض الجُمل والعِبَارَات، تَتوقَّف عِندَهَا، أَو تُوقِفها، وكَأنَّك مَركز مِن مَراكِز الشُّرطَة الفِكريَّة، التي تَتثبَّت وتَتحقَّق مِن صحّة الوَثَائِق والمَعلُومَات..!

ومِن هَذه الجُمل، جُملة بَدأَت تَتكرَّر دَائِماً، وهي عِبَارة: «فُلان مِن بَقَايَا الزَّمن الجَميل»، و»رَحِمَ الله الزَّمن الجَميل»، و»مَتَى نَعود إلَى الزَّمن الجَميل».. ولَا أَدرِي مَا الجَمَال؛ الذي وُجِدَ فِي زَمنٍ، ولَم يُوجَد فِي غَيرهِ مِن الأَزمِنَة..؟!

مُنذ فَترةٍ، كُنتُ أَقرَأ مَقالاً لَطيفاً فِي مجلّة «روزاليوسف» المِصريَّة، لصَديقنَا الأَديب «طارق الشنّاوي»، فوَجدتُ لَه كَلَاماً جَديراً بالنَّقْل، وحَريٌّ بالانتشَار، فأَحبَبتُ أَنْ أَعمَل لَه رِيتويتاً –

كَمَا هي مُصطلحَات الأُمَّة التّويتريَّة-، يَقول الشنّاوي: (لَستُ مِن أَنصَار حِزب «زَمن الفَن الجَميل»، أَقصد هَؤلاء الذين دَائماً مَا يَبخسون حَق «الحَاضِر»، وهُم يَتغزَّلون بـ»المَاضِي»، ويَعتَقدون أَنَّ الجَمَال مُجرَّد زَرع، يَنبت فِي زَمنٍ، ثُمَّ يَتغيَّر المَنَاخ، فتُضرب أَرض الإبدَاع عَن إخرَاج الثِّمَار، إنَّها بالتَّأكيد نَظرَة قَاصِرَة جِدًّا تَظلم «الحَاضِر»، وتُدين -فِي نَفس الوَقت- «المَاضِي»، لأنَّه لَم يَكُن يَحمل بدَاخله «جِينَات» الاستمرَار، وهَذا -بالطَّبع- يَتنَافى مَع حَقيقة الحيَاة)..!

بَعد هَذا النَّص أَقول: يسلَم «فمّك»، أَو بالأَصح «قَلمك»، أَو أَصح الأصحّيْن «كِيبوردك»، لأنَّ الجَمَال لَا يَقتصر عَلى زَمنٍ، ولَا يَتوقَّف عِند وَقت..!

ولَو رَجعتَ إلَى مَن يُردِّدون عِبَارة: «الزَّمَن الجَميل»، ستَجد أَنَّهم أُنَاس قَد تَجَاوزوا الخَامِسَة والأَربعين مِن أَعمَارِهم، لِذَلك هُم يَحنّون إلَى تِلك الأيَّام، التي كَانوا فِيهَا شَبَاباً، ولَيس لأنَّ الزَّمن كَان فِيهَا جَميلاً..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَن أُذكِّر بأنَّ أَصحَاب مَقولة «الزَّمَن الجَميل»، هُم تَمَاماً مِثل ذَلك الأَديب الفرنسي «الطَّاعن فِي السِّن»، الذي قَال: (مَا أَجمَل بَاريس قَبل أَربعين سَنَة). فقَالوا: (هَل كَانت فِعلاً بَاريس جَميلَة)؟، فقَال: (لَا، بَل أَنَا الذي كُنتُ أَعيش أَيَّام الشَّبَاب الجَميل)..!!