التاريخ وقائع..

الجغرافيا مسارح تدور فوقها تلك الوقائع..

كل الجغرافيا، مسارح وشخوص.. تضاريس وبشر، تفرض قوانينها على حركة التاريخ، فتقيدها في غير موضع، وتطلقها في غير موضع، حتى ليغلب الظن أن الجغرافيا بشرًا وحجرًا، هي من تصنع حركة التاريخ، وهي مَن تُقرِّر إيقاع تلك الحركة، ووجهتها النهائية.

أين الحقيقة؟!

مَن يصنع ماذا؟!

ومَن يدير ماذا؟!

هل نحن مَن نُقرِّر مصير الجغرافيا، أم أنها هي مَن تُقرِّر مصيرنا؟!

سؤال لم يُقدِّم له التاريخ إجابة واحدة، قاطعة، عبر مسيرته الطويلة منذ عرف الإنسان الكتابة.. غير أنني وسط انشغالات بأسئلة كبرى عن مستقبل منطقة الشرق الأوسط، ربما أحاول ممارسة ترف الفكر، فأطرح تصورًا قد يرى أن تاريخ الإنسانية كلها تُديره الغرائز، وأن بعض أهم منعطفات هذا التاريخ، قد صنعها الخوف مثلًا، أو الطمع، بل إن كبار الطمَّاعين في التاريخ الحديث، مثل روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة، كان الخوف عندهم غطاءً مناسبًا، لتغطية وتبرير الميل للتوسُّع على حساب أمم أخرى استبد بها الخوف حتى أقعدها عن النهوض.

غريزة الخوف، تدير الآن بعضًا من مشاهد الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وتسبغ مشروعية زائفة على سياسات طامعة في أرض الغير، أو طامحة إلى السيطرة على إرادة الغير.

يقول الأتراك الذين يشنون حربًا ضد الأكراد في عرفين السورية، أنهم يُدافعون عن سلامة ووحدة الأراضي التركية المهددة بالتقسيم، فيما لو نجح أكراد سوريا في إقامة كيان مستقل خاص بهم.

ويقول الإيرانيون، الذين يستخدمون الطائفية كغطاء للتوسُّع على حساب الجوار العربي، أنهم يُدافعون عن الشيعة في مناطق الجوار، استباقًا لمخاطر قد تحدق بإيران ذاتها.

ويقول الإسرائيليون إنهم يتوسَّعون فوق الأراضي الفلسطينية حتى لا يتوسع الفلسطينيون فوق أراضي قامت عليها مستوطنات يهودية.

الأطراف الثلاثة غير العربية (إسرائيل وإيران وتركيا)، تخفي الأطماع في طيات المخاوف، بينما العالم العربي، الذي يُمثِّل غالبية الجغرافيا والتاريخ حجرًا وبشرًا، في المنطقة الممتدة بين المحيط الأطلسي في الغرب والخليج العربي في الشرق، فأقصى ما يطمع فيه في اللحظة الراهنة، هو مجرد البقاء كما هو، دون تفكيك وإعادة تركيب. وأقصى ما يريده هو أن يدعه الآخرون وشأنه.

لكن التاريخ معلم شديد القسوة على تلاميذه، وهو لا يفسح مكانًا في مقدمة الصفوف لمَن فقدوا غريزة الطمع، واستسلموا لغريزة الخوف طلبًا لإشباع غريزة البقاء، مهما كان نوع ومستوى هذا البقاء، حرًا أم غير حر، شريفًا أم غير شريف، سيدًا أم مسودًا.

الخوف إذن هو الغريزة المسيطرة التي تدير حركة التاريخ، في منطقتنا، والتي تمسك ببوصلته في أغلب الأوقات.

ولا بأس من الخوف إن كان واعيًا، يدفع صاحبه لامتلاك أسباب القوة، ولا يقعد به عن التماس أسباب الأمان.

أكثر ما ينبغي علينا أن نفعله، هو أن نجعل خوفنا على الغد وليس منه، وأن يكون هذا الخوف مبصرًا، واعيًا، ودافعًا إلى بناء مؤسسات للأمان.

الوحدة، هي أول مؤسسات الأمان، لكل الشعوب، إن غابت الوحدة غاب الأمان، ولا تكفي وحدة العنصر أو العرق أو الدين أو المذهب أو الطائفة لإنتاج الوحدة الجالبة للأمان العام، وإنما قبل كل هذا وبعده، تظل المساواة أمام القانون هي الأصل الثابت لكل وحدة وطنية راسخة

، ويظل انعدام التمييز بين مواطني الوطن الواحد بسبب اللون أو العرق أو النوع أو المنطقة أو الدين أو المذهب أو الطائفة، هو القاعدة الذهبية لتلك الوحدة، التي تُحصِّن الأوطان ضد كل المخاطر والتهديدات الخارجية.

التاريخ بحركته لا يكف عن مناوشة مَن لا يُناوشونه، لا أحد يستطيع ممارسة ترف النأي بالنفس عن حركة التاريخ، وإلا أصبح كمًّا مهملًا خارج كل سياق حضاري وإنساني.