من نِعَمِ المولى على مجتمعنا أن خصَّ جزيرة العرب بالعديد من أنبيائه ورسله.. وبتكليف نبيِّنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام برفع قواعد بيته الحرامِ في مكَّةَ المكرَّمةِ، فاستجابا تلبية ومناجاة: (رَبَّنَا إِنِّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيِّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِيِ زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَنَّا لِيُقِيْمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنِ النَّاسِ تَهْوِي إَلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرْوْنَ).. فها هم اليوم ضيوف الرحمن يفدون إلى الحرمين، وعلى مدار السنة بالملايين من حجَّاج ومعتمرين، وطالبي معاش ورزق. ومنهم من استقرَّ في هذه الديار المُباركة تقرُّبًا إلى الله وازديادًا من فضله وكرمه، فأَثروا بما حملوا معهم من علمٍ وثقافة نسيج مجتمعنا، مضيفين لمساتٍ حضاريَّةً ساهمت في توثيق روابط الأخوَّة في الله، وبناء مجتمع متميِّز بتنوُّع عروق أفراده وثقافاتهم، مُتَّسقين مع مضمون الآيَّة الكريمة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»، وبهذا المفهوم الإلهي، قام مجتمعنا على أسس متينة، قوامها مكارم الأخلاق.. فلا تمييز ولا تفرقة عنصريَّة، وقَبول كلِّ من هاجر إليهم منذ فجر التاريخ وحتَّى اليوم. وقد انصرف حكَّام مملكتنا الفتيَّة إلى تسهيل حركة قاصدي الأراضي المقدَّسة لأداء مناسك الحجِّ والعمرة، فتشرَّف ملوكنا وخدَّام الحرمين الشريفين بتنظيم وتخطيط لتوسُّعات متتالية للحرمين الشريفين، وبناء مرافق المشاعر المقدَّسة في عرفات ومزدلفة ومنى، وما يربط بين هذه المشاعر والمدينتين المقدَّستين مكَّة والمدينة وباقي مدن المملكة من طرقٍ صُمِّمت ونفِّذت على أعلى مواصفات، وقطار المشاعر المقدَّسة، وقطار الحرمين الشريفين، وتحديث الموانئ الجويَّة والبحريَّة التي تستقبل ضيوف الرحمن، وطلَّاب الرزق والعيش الكريم لإخوة لنا في الدم والعقيدة كذلك.

هذه الخصال الحميدة والجهود المبذولة لتقوية النسبج الاجتماعي وتمتينه ليست بالجديدة علينا! فهي من القدوة الحسنة لسيِّدنا محمد عليه الصلاة والسلام منذ أن عُرِفَ في مكَّة المكرَّمة بالأمين قبل البعثة، وبعدها في المدينة المنوَّرة. وقد آخى بين المهاجرين والأنصار وأشركهم معًا في موارد الرزق والعيش الكريم، وجعل التقوى مقياسًا للفضل بين العربي والأعجمي. ومن لديهم هذه القدوة الحسنة لن يتنكَّروا لجميل مَن اغتربوا عن بلدانهم وفيها رخاء العيش وحلُّوا في رحاب مملكة حديثة الولادة، بناها الملك المؤسِّس عبدالعزيز طيَّب الله ثراه، وهي فقيرة الموارد المادِّيَّة والإداريَّة، فبذلوا الغالي والنفيس من أجل استكمال المملكة مقوِّمات بقائها لتُحقِّق حياة أفضل لسكَّانها وللقادمين إليها. فخبراتهم وبُعْدِ نظر الملك المؤسِّس إلى المستقبل، تمَّ تطوير المدن والقرى وتحديثها. وفُتِحت المدارس لتعليم البنين والبنات. وشيِّدت المستشفيات والعيادات الطبيَّة، وعادت تجارة طريق الحرير لسابق عهدها من تبادل تجاري بين الشرق والغرب؛ مركزها مكَّة المكرَّمة وميناؤها البحري جدَّة. فعمَّ الرخاء والرفاهية كلَّ مَن عاش آبائهم وأجدادهم من قبل في فقرٍ وعزلةٍ عن العالم على مدى قرن من الزمن.. فعلينا للمهاجرين الأوائل ولمَن تبعهم -على مدى العقود الماضيةً- واجب التقدير والاعتراف بالجميل.