بعد أن تستعرض في لحظة من حياتك شريط الذكريات، وترتسم أمامك عبارات السُخرية تجاهك، وكلمات التهزئ والاستهزاء، منذ الطفولة.. منذ إدراك عقلك لما حولك.. عشت مهمَّشاً على حافَّة الطرِيق، لا مكانَ لك ولا فائدة منك، وإن كُنتَ في الترتيب الأُسري الأوسط فأنتَ صغيرٌ هُناك من يكبُرك، فقيرٌ لا يدَ لكَ في ارتقاء العائلة ماديّاً، ذَكاؤكَ لَم يُسعفك أن تحظَى بشهاداتٍ عُليا لتفخرَ بِكَ قَبيلَتُك، كُل كَوامِن الأسَى تحرَّكت داخلَك، قِف.. قِف سَريعاً.. وانفُض غُبارَ الأيَامِ والسَنِين..

فَما زِلتَ على قَيد الحَياة.. لاَ تقلق.. لا تجزَع.. فأنتَ إِنسان.. (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) كرَّمك ربُّ السماءِ فَلا مُذلَّ لَك.. حوِّل كُل بُؤسٍ وامتهان إلى قوَّة.. فجِّر ينابيعَ العزَّةِ داخِلك.. جرِّب وامسِك بورقةٍ ومرسام، دَعها تَكون مِرسامًا لِتُعطيكَ درساً أكبر وتمنحك مع كل حرفٍ علماً أعظَم.

سجِّل إمكانياتك.. دوِّن ما وَهبك الله دُون أن تتعنَّى باكتِسابِه.. انطَلِق واكتُب.. فعينٌ تُبصِرُ الطَريق.. وأُذنٌ تلتقط الصَوت والنقيق.. ولسانٌ يَنطقُ ويرسِلُ كُل شُعورٍ عَميق.. يا هذا.. ألديكَ كُل ذَلك وأنتَ تقفُ مَكتوفَ الأيدي بَائِساً بمَن حَولَك.. لا بَل وأكثر.. فلَديكَ بيتٌ يؤويك.. وهناكُ طعامٌ وشرابٌ يَروِيك.. وهواءٌ ينعشُك ويبقيك.. سترى أنك وبلا شعورٍ تَنهض وتلهَج حامداً شاكراً.. نعم فأنا إنسانٌ قويٌّ بربِّي.. عقلٌ مفكّر.. وربٌّ مدبّر.. عَطَايَاهُ تُبهج.. وعطفُه يَحتضِن التائهيـن.