* إذا كانت المجتمعات في عصور خَـلَت تقوم على أسـاس الانتماءات الدينية أو العِـرْقِـيّة؛ وهـو الذي ترتب عليه عَـصـبِـيّات وصِـراعات وحـروب طاحنة استمرت لسنوات طويلة، فإن العصر الحديـث بدَوْلَـتِـه الـمَـدنِـيّة قـد جاء لِـيُـوَحِّد النسِـيج الاجتماعي على اختلاف أطيافه؛ تحت راية الوطَـنِـيّة، لما أنها تُوحّـد الـشعُـوب وتضمن تلاحمها، التي معها وتحتها تذوب كل الانتماءات.

* وهنا (القَـبِـيْـلَة) مكون مهم في نسيج مجتمعنا له تقديره واحترامه كـ(المكونات الأخرى) التي نَـعْـتَـزّ بها ونفْـتَخـر؛ فـ(القَـبيـلَة) بتاريخها ومورثها الأصيل، وما يحكمها من عادات وأعراف إيجابية، وبما يَجْـمَـع أفرادها من صِلات، كان لها إسهاماتها في توحـيـد الوطن، ومِـن ثَـمّ في بنائه وتنميته.

* ولكن الملاحظ أن السَـنوات القليلة الماضية حملت إلينا - بِـقَـصْـد أو بِجَـهْـل - دعَـوات وممارسات حاولت إذكاء (التّعَـصّـب الـقَـبَـلِي) في المجتمع الـسّـعـودي، وإيقاظ نيرانه النائمة، في محاولات لاجترار الماضي، وعـودة (الحكاية الجاهِـلِـيّة: داحِـس والغبراء)!.

* تلك المحاولات كانت تستوطن بعض المناسبات والمسابقات، مستغِـلّة مواقع التواصل الحديثة، وبعض القـنَـوات الفضائية، وما يُـسـمّى بـ(الـشِّـيْلات)- وهي الأغَـانِي المذبوحَـة على الطريقة الإســلامية -؛ تلك التي يسعى القائمون عليها للجماهيرية والثراء من خلال صناعة التنافس بين أفراد القبائل حتى يصل لمحطة الـتّعَـصّـب، واستدعاء الـنّعَـرات التي مَاتت!

* والواقع هنا يؤكد بأن (بلادنا) تـتربص بها العديد من التحديات التي تُهَـدِّد أمنها بشتى الوسائل، ومن ذلك العمل على تَفْـتِـيْـت ترابطها المجتمعي بـزرع الـفِـتَن الطائفيةً، والمناطقية، وكـذا القَـبَـلِـيّـة؛ ولذا أرى أهمية إصدار قانون يُـجـرِّم ذلك كُـلّه، ويضع العقوبات الصَـارمة والرادعة بما فيها التّـشهـير لأية تجاوزات، أياً كان مرتكبوها أفراداً أو مؤسسات، وملاحقة مَـن يُـروجون لها في مـواقع وبرامج التواصل الحديثة، وتلك الهاشتاقات التي يُـطِـلّ منها أعداء الوطن!!

* أخيراً (القَـبِـيْـلَـة) مِـن المُسَـلّمَــات والـثوابت في مجتمعنا (وهي لا تتعارض مع الدولَة المَـدَنِــيّـة، والانتساب لها لا يَـتَـقَـاطَـع أبَـداً مع الهويّـة الوطنية)، فهذه دعــوة لـ (شـيوخ الـقـبائل ومثقفيها) للقيام بواجبهم ورسالتهم في استثمار ما يجمع أفرادها من روابط للتكريس للـوحدة الوطنية، ومحاربة ذلك (الهِـيَـاط) القائم على (نحنُ، وكـنّا)، وتوجيه ما يـنفق على ذلك الهِـيَاط إلى التوعية والتوجيه وغرس القِـيم، وفي وإصلاح ذات البين ومساعدة المحتاجين والمعسرين، وفي خدمة المجتمع الكبير (الـوطن) بكلّ تفاصيله وتضاريسه ومرجعياته؛ فهـو المهم والأهَـم.