مَن يَتجوَّل في مَدينتي الرِّياض وجـدَّة؛ يُشَاهد الزِّحَام في كُلِّ زَاويةٍ ورُكن، وفي كُلِّ شَارعٍ وسِكّة، وكَأنَّ «محمد عبده» كَان يَتحدَّث بلِسَان الزِّحَام، عِندَما قَال:

مَاكُو فَكَّه مِنَّك إنتَ مَاكُو فكَّه

لَو تـلفِّ الدَّنيا تِلقَـاني وَرَاك

أنَا تِلقَاني فِي كُلِّ شَارع وسِكَّه

أَمشِي فِي ظِلِّك وإحسَاسي مَعَاك

هَذه الزِّحَامَات؛ جَعلتني أكتُب نَاصية في «تويتر» تقول: (يَا أَهل الرِّياض ويَا أَهل جـدَّة، مَن خَرَج مِن بَيتهِ مِن غَير حَاجةٍ مُلحّة؛ فهو مُتآمِر مَع الزِّحَام، ومُتوَاطئ مَعه)..!

بَعد هَذه النَّاصية؛ التي طَارت عَبر الطَّائِر الأزرَق «تويتر»، أَخَذَ النَّاس يَتفَاعَلُون مَعهَا، ويُؤيّدونها مَرّة، ويُعَارضونها مَرَّات، ولا يَعنيني -هُنَا- لَا هَذا الطَّرف ولَا ذَاك، بَل يَعنيني أنْ أُؤكِّد عَلى تَفعيل مَفهوم تَرشيد المَشَاوير، والتَّفكير قَبل الخرُوج مِن البَيت بجدوَى المشوَار، وقيَاس الفَائِدَة مِنه..!

لَو فَرضنَا جَدَلاً، أنَّكَ وَقَفْتَ عِند أي إشَارة مرُور؛ في جـدَّة أو الرِّيَاض، وسَألتَ مَن يَقفون عِند الإشَارة، مِن أصحَاب السيّارَات، إلَى أَين أَنتُم ذَاهبون؟.. ستَحصُل عَلَى إجَابَات غَريبَة، مِنهَا أنَّكَ ستَجد نِسبَة كَبيرة قَد خَرجُوا للتَّمشية والتَّنزُّه، والتَّسكُّع في الشَّوارع، وستَجد مِنهم مَن خَرَج؛ لكي يَأكل في مَطعم مُعيّن، يَقع في شَمَال المَدينَة، وهو يَسكن في الجنُوب، وستَجد شَريحة كَبيرة مِنهم -أيضاً- قَد خَرجُوا مِن بَاب الاستطلَاع، ليَعرفوا مَن يَدور في الشَّوَارع غَيرهم؟.. وأخيراً قَد تَجد 10% مِنهم مِن أصحَاب المَشَاوير المُهمّة، مِثل الذِّهاب إلَى المُستشفَى، أو شِرَاء دَوَاء مِن الصّيدليّة، أو لَوازم مُهمّة مِن ضَروريات المَنزل، وأدوَات المَدَارِس..!

حَسناً.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أنْ أُؤكِّد أنَّ شَوَارِع المُدن الكُبْرَى -كالرِّيَاض وجـدَّة-، تَكاد تَئنُّ وتَشتكي مِن ضَغط السيّارَات، وكَثرة العَابرين، ولَو أصبَح بَينك وبَين أي شَارع مُنَاجَاة حَميميّة، أو حِوَار صَادق، لقَال لَكَ الشَّارِع: (أرجُوكم كفُّوا عنّي أَذَى أشقيَائكم، وارحمُوا عَزيز «أَسْفَلتٍ» تَآكَل)..!!