مرّت كلمة الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» في تونس، والخاصة بنجاح تجربة الدمج بين الديمقراطية والمجتمعات الإسلامية، مرور الكرام أو اللئام، الله أعلم! وفيما كانت التجربة التونسية تتعرَّض لرياح بل لعواصف داخلية وخارجية شديدة، تستهدف اقتلاعها من جذورها الغضة، قال ماكرون زعيم الفرانكوفونية العالمية أمام مجلس النواب التونسي: «لقد نجحتم في بناء دولة مدنية حين كان الكثير يعتقدون أن الأمر مستحيل. لقد أثبتم كذب أولئك الذين يقولون إن الديمقراطية لا تتماشى مع المجتمعات التي يوجد فيها الإسلام».

والحاصل أننا في غمرة خوفنا كعرب ومسلمين حد الرعب من تهمة الإرهاب المُسلَّطة طوال الوقت على الرقاب، خلطنا أو خلط بعضنا بين الإرهاب والإسلام، ليس فقط كقواعد ونصوص وإنما كسلوك عام.!

هكذا انبرى بعضنا عن جهل يُردِّد مقولات لا تصدر إلا عن فيلدرز وماري لوبون، وانبرى البعض الآخر عن حقد دفين مزايداً على اليمين الأوروبي نفسه، ومؤكداً أن العيب كل العيب ليس في الإسلام فقط كدين، وإنما في المسلمين كبني آدمين!

في هذه الأثناء، أيضًا كانت الأصوات الأوربية العاقلة والمتزنة تُحذِّر من اتهام الإسلام جزافًا بالإرهاب، واتهام المسلمين كلهم بالإرهابيين، مؤكدة خطورة ذلك على العالم والبشرية كلها!

ثم زاد الأمر سوءًا مع بروز حفنة من العرب والمسلمين أطلقوا على أنفسهم «التنويريين الجدد»، وقد تحوَّلوا إلى معاول وفؤوس تنهال على فِكر الأمة وعقلها، تمامًا كما فعل غلاة الإسلاميين.. ومثلما برزت أو طفقت على السطح تجارة حديثة اسمها «التجارة أو الاتجار بالدين»، ظهرت تجارة أحدث اسمها «الاتجار بالتنوير»!

هكذا وتحت راية الإتجار بالدين، راح القائمون عليه أو عليها، ينسفون الفِكر الصافي والرائق والوسطى المعتدل، بدعوى مقاومة الانحراف، فيما راح «تجار التنوير»، يُبالغون في استيراد الأفكار والنظريات والأقوال الهجين التي لفظتها أوروبا نفسها من قديم!

القاسم المشترك بين الفريقين.. فريق المتعصبين دينياً حد الإرهاب، والمتعصبين تنويريًا حد الإلحاد، هو التشنُّج حد السباب! الأول يسب الشعوب، والآخر يسب الأديان!

المُلفت للنظر في حملات أو صفقات الإتجار بالتنوير هو حشر إسرائيل! فإذا كنت إنسانًا متحضرًا مستنيرًا، لابد أن تعترف بأحقية إسرائيل ليس في الوجود، وليس في الاندماج في الخريطة الجديدة، وإنما في التهام أرض فلسطين بعاصمتها القدس، فإن اعترضت قيل لك: هس!

والمؤسف كذلك، أنه لا يُسمح لك بالحديث في الديمقراطية الحقة، بل وفي الليبرالية الحقة، إلا إذا كانت الأمثلة التي تسوقها للتدليل خارجة من وعن إسرائيل!

لقد بات من الثابت، أن معظم عمليات ونظريات وأطروحات وحملات التنوير الحديثة، إنما تستهدف الترويج لعصر إسرائيل، الذي يُعد بصورة أو بأخرى عصر التفريط والانكفاء والانحناء المشين! فإن اعترضت، قيل لك: إنك همجي متطرف ومتخلف!

لقد نسي هؤلاء أن أخلاق الإسلام هي أخلاق الفروسية، وأن مفتاح الشخصية الإسلامية الجميلة هي النخوة.