عندما ترفع قطر كرتها المحروق وتروّج بهتانًا أن لديها رغبة في تدويل الحرمين الشريفين؛ فلا بد أن نتساءل عن شكل وأداء هذا النموذج الذي تقدمه كبديل للوضع القائم، إذ لا يكفي أن تردد كالببغاء مطالب إيران القديمة، دون أن تطرح مشروعًا متكامل المعالم. هذا التحدي يثبت لنا أن ما تفعله قطر هو محض استفزاز وتشويش، ففكرة التدويل تعني أن جميع الدول الإسلامية ستشترك في إدارة الحرمين، والصرف عليهما، والاهتمام بتأمينهما، وليس فقط في التحكم فيه عن بعد، وهذا أمر غاية في التعقيد، ويستلزم قبل كل شيء الحصول على موافقة كل تلك الدول. في هذه الحالة، لا بد أن نسأل قطر من منهم أعطاها الحق بالتحدث باسمه، ووكَلها عنه؟

التدويل لا يعني أن إيران وتركيا وقطر، أي ثلاث دول من مجموع 57 دولة، يطمحون إلى مزاحمة السعودية والتدخل في شؤونها، فيكون لهم ما أرادوا، حتى لو اختلقوا لهم هيئة دولية مزعومة في ماليزيا «لمراقبة إدارة المملكة العربية السعودية للحرمين والمشاعر المقدسة». هل يظن هؤلاء الحمقى أنهم بهذا الابتزاز السياسي المفضوح سيتمكنون من السيطرة على الحرمين، وهم خواء حتى من مجرد نموذج تنظيمي، أو من توافق دولي؟ على أي أساس إذًا تقيم هذه الثلاثية الحالمة وهم التدويل؟

إن كانت قطر تعتمد على نموذج الفاتيكان كمؤسسة دينية مُشاعة، ويشترك في إدارتها كل المسيحيين حول العالم، فهذا جهل يثير الضحك. تدويل الفاتيكان معناه الحقيقي هو أن هذه المنطقة الصغيرة التي تم اقتطاعها من إيطاليا نزولًا عند رغبة الكنيسة، هي «دولة» مستقلة في الأمم المتحدة يديرها الحكم البابوي منفردًا. ليس هناك دول تتداول التحكم في شؤون الفاتيكان، بل إن البابوية قد وقعت اتفاقية لاتيران للانفصال عن إيطاليا في عام 1929، ليس لأن باقي الدول المسيحية اتهمت إيطاليا بعدم القدرة على تنظيم أمور الفاتيكان، وأرادت المشاركة في إدارته، بل لأن التكتل الديني داخل إيطاليا سعى بقوة إلى الاستقلال عن حكم الدولة الإيطالية؛ ليتم تمكين البابا -كحاكم منفرد للفاتيكان- من ممارسة سلطاته الدينية على العالم.

شتان بين ما تتبناه قطر من أحلام ملالي الفرس وسلطان الترك، وبين ما هو قائم في الفاتيكان.. الفاتيكان لم يكن أرضًا مقدسة حتى تتم مقارنته بمكة المكرمة والمدينة المنورة، والمكان في إيطاليا أبعد ما يكون عن موضع الرسالة المسيحية وخروج عيسى عليه السلام. الفاتيكان ليس موطنًا ولا ينتمي إليه شعب، والبابوية هناك تتوسل الدين؛ لتضمن لها حضورًا سياسيًّا واقتصاديًّا على الصعيد الدولي. في المقابل، فإن مكة والمدينة يقعان داخل حدود السيادة لدولة متكاملة، فهما جزء لا يتجزأ من المملكة العربية السعودية، ولهما عمق تاريخي وتأصيلي يشهد به أهلها من ملايين السكان السعوديين المرتبطين بالأمكنة المقدسة على أرض وطنهم السعودي.

يبقى نموذج واحد لا بد أنه مصدر الوهم القطري في ترويج مشروعها العبثي، وذلك هو «التدويل القطري».. قطر كالجمل الذي لا يرى سنامه، تقدم فكرة التدويل ويغيب عنها تمامًا أنها قد أوقعت نفسها في فخ التدويل.. على أراضيها يصول ويجول، ويتحكّم ويستغل، ويشارك في إدارتها كل من هب ودب، إن قطر المستباحة أرضًا وثروات من القواعد الأمريكية، والترسانة التركية، والميليشيا الإيرانية، وعصابات الإرهاب القرضاوي، وسلطات البرلمان اليهودي، وعزمي بشارة وأشباهه، وكل المُجنّسين المستوردين- هي التطبيق الأوضح لأطروحة التدويل البائسة

.

وقد كان الأولى بقطر وبـ «متداوليها» أن يوجهوا مطالبهم بالتدويل نحو القدس، التي اتخذتها إسرائيل عاصمة حصرية، وهي في الواقع حق مشاع لكل مسلم ومسيحي ويهودي في كل دول العالم. لإسرائيل الصمت الخانع، وللإخوة التطاول والجعجعة.