يؤسفني أن أقول: إن ظاهرة الفساد بكل ألوانه أشد الوسائل لتقويض جهود المخلصين من أبناء الأوطان في سائر أرجاء هذا العالم، ولعلنا لو بحثنا عن أسباب انهيار نظم وأوطان كثيرة في هذا العالم إنما سببه شيوع الفساد في بلدانها، خاصة تلك الدول التي تخشى مواجهته خشية أن تهتز صورتها في العالم، أو أن الفساد قد استشرى فيها إلى الحد الذي تخشى الحكومات مواجهته، وفي أجزاء كثيرة من العالم للفساد انتشار كبير، حتى في تلك الدول التي يشار إليها بأنها المتقدمة، بل إن ما يُنشر فيها عن الفساد من بحوث واستطلاعات صحفية يدل على أن بعضها غارق في ألوان من الفساد مدمرة، وأظنه يعمل فيها أكثر مما يعمل في الدول النامية، أو ما يُسمِّيه البعض في الغرب «المتخلِّفة»، وحكايات الديمقراطية والحرية الرأسمالية لم يعد الناس يلتفتون إليها، والفساد يكشف عن خلاياه كل يوم في تلك الدول، ويقوم به هناك في الحكومة مَن هُم في المراكز العليا، ولو أن هناك في هذه البلدان مواجهة حقيقية للفساد لما رأينا خلاياه تتكشف كل يوم، ولوجدنا انحسارا واضحا له في تلك البلدان، ومحاولة غمر العالم بأخبار الفساد في الدول التي تُسمَّى بالنامية أو في سبيلها للنمو يكاد المراقب أحيانا يجزم أن تضخيمها ومحاولة تعميمها على كل دول العالم الثالث كما كانت تُسمَّى دوله، إلا لصرف الأنظار عن ما يحدث في دول العالم الأول أو المتقدم، والذي صُدّعت رؤوسنا بديمقراطيته وحريته، وأن العيش فيه هو عيش في جنة دنيوية تخلو من كل ما يفسد الحياة، حتى أصبحت الهجرة من دول العالم الثالث لدول الغرب مستمرة، رغم أن كثيراً ممن هاجروا إلى هناك يعانون أشد المعاناة، وما لم يواجه العالم كله الفساد مواجهة حقيقية وألا يتخذ وسيلة سياسية للضغط على دول قد تخلو منه أصلا أو هو فيها أقل بكثير من الدول التي تتهمها به، ولم يعد يا سادة في هذا العالم مَن يجهل ما يجري في بلدان العالم المتقدمة ماديا، وقد تقارب العالم، وأصبح الاطلاع على ما يجري في كل جزء منه أمرا سهلا.

إن الفساد اليوم هو وباء هذا العالم، ولابد أن يتعاون الجميع على مواجهته حتى يختفي من كل دول العالم، أو ينحصر انحصارا لا يعود له هذا الأثر المُدمِّر على الشعوب والأوطان، وإنا لمنتظرون أن يحدث هذا ليعيش الناس في عالم بيئته سالمة من كل ما يعوق الحياة السعيدة الآمنة، وكلنا رجاء أن يحدث هذا سريعا.