نشر حساب مهتم باللغة العربية -قبل مدة- استبياناً على تويتر حول قصيدة النثر، وهل يمكن أن نعدها فناً شعرياً. ما شد انتباهي هو أنه لم يكن هناك خيار من الخيارات يشير إلى القبول: (نعم.. تعد فناً شعرياً).. وهو ما يوحي برفض القائمين على الاستبيان لقصيدة النثر حتى يومنا هذا، أي بعد مضي أكثر من سبعين عاماً على تقديمها للثقافة العربية.

ورغم اطمئناني إلى أن قصيدة النثر العربية قد وصلت إلى مرحلة من النضج، تجعلها تحجز مكانها بين الأجناس الأخرى في السياق الشعري العربي، إلا أنه لا يمكن إغفال الجدل المستمر حول مشروعيتها، وحول حدودها الفنية والإيقاعية

. ويربط الناقد مراد مبروك في كتابه الهوية العربية والتشكيل المعماري والجيوبولتيكي للنص الشعري بين هوية المجتمع وما يظهر فيه من أشكال شعرية، حيث يؤكد «أن الهوية الأصلية المستقرة تصنع أشكالاً معمارية وأدبية مستقرة ومستقلة». هذا يعني أن الأنواع الأدبية تظهر في اتساق مع النسق الفكري لأي مجتمع، لذلك كان من الطبيعي أن تؤدي محاكاة أشكال أدبية غربية إلى جدل فكري واسع، «ففي الوقت الذي أصبحت فيه البلاد مستقلة وطاردة للمحتل نجدها تستعير منه بعض الموروثات الثقافية، لا سيما الفنية والأدبية وبخاصة الأشكال الشعرية»، وهو ما أنتج توتراً فنياً انعكس على الشكل الشعري المقتَبس.

من هنا أرى أن مسألة الهوية هي مربط الجدل القائم حول هذا الجنس الشعري؛ فقَدَر قصيدة النثر العربية أن تولد في زمن معظم أحداثه ولدت متعسرة؛ قدرها أن تأتي إرهاصاته مع موجة الإحياء في الأدب العربي، فلا تلقى تلك المحاولات ما تأمله من انتباه، وقدرها أن يُعلن رسمياً ميلادها تحت مصطلح (قصيدة النثر) في زمن سادت فيه الأفكار والروح القومية، حيث كل شيء سلاح في حرب الثورة على الاستعمار ودحر الرجعية. وحين - ذات صباح من عام 1967 الأسود - فقدت الثورة جزءاً كبيراً من أسلحتها، كان قدرُ قصيدة النثر أن تتحول إلى بقرة أُحسنَ الظنُ بها لتدخل حلبة لمصارعة الثيران؛ فمن جهة استمات مناصروها ليثبتوا أنها قصيدة العصر ووسيلة التعبير الأنسب والأوحد للشعوب المهمشة، وأنها صوت الناس وصدى الحاضر، على الرغم من أن كثيراً من الناس لم يفهموها، ولذلك لم يصنفوها شعراً أو نثراً. بينما رآها

المعارضون ابنة غير شرعية للنكسة، وثمرةَ السقوط العربي في حضن الغربي؛ هذا الغربي الذي أَرغمَ العرب على أن يعيشوا حضارته ويتأثروا بها، بل أرغمهم على أن يقبلوا باقتطاع جزء من جسدهم لإسرائيل، ثمناً لهذا التواصل غير المختار.