* مشكلة أن ينتهي تعب السنين إلى تعبٍ، ومشكلة كبرى أن تبقى جامعاتنا بعيدة كل البعد عن الواقع، والمجتمع الذي يفترض أن يكون هو همَّها الأول، بدلًا من تخريج الأجيال بدون تخطيط، خاصة وأن بعض التخصصات لم تعد سوى مضيعة للوقت والمال والجهود، وليت القضية تنتهي هنا، بل وصلت إلى ما هو أخطر وأكبر.. وصلت للبطالة ومتاعبها وعذاباتها، التي باتت حقيقة تُحاصر الأجيال، ومن هنا أكتب لكم عن شاب تخرَّج بعد الجهود وفرح بدرجة البكالوريوس في طب الأسنان، وحين وصل به الصبر والانتظار بعد التخرُّج من سنة إلى سنتين إلى عشر سنوات!! وهو يحمل في يديه شهادته ومأساته إلى كل مكان، وما من مجيب.. وقتها قرر أن يُغادر مدينة جدة إلى مدينة الجوف، وهناك قرر أن يزرع مزرعة والده بالبرسيم، ومن ثم يبيع المحصول، وفي آخر مرة قابلته قال لي إنه بخير، وإن مزرعته تدر عليه دخلًا يُعينه على الحياة، لكنه كان مجروحًا ومتألمًا جدًّا؛ حتى إنه بات يكره الحديث عن الطب، وعن أيام الدراسة فيه، وعن التخصص وعن الأسنان التي بات يعض بها الندم، حين يتذكَّر الأيام الجهمة والامتحانات المرهقة وسهر الليالي، الذي لم يُقدّم له سوى الليل والظلام والبرد الذي يعيشه هناك في مزرعته، حتى الصباح، وكأن السهر قدره الذي لازمه منذ البدايات وحتى النهايات، وكأنَّ كل حكاياته سوف تبقى هكذا، مسكونة بالألم والتعب والندم..!!!

* الدكتور «فهد» هو إنسان وجد نفسه في حياةٍ قاهرة، وظروف فرضت عليه أن يكون دكتورًا ومزارعًا في نفس الوقت، هناك يُنادونه رفاقه بـ»دكتور برسيم»، ويضحك وهو يتمزَّق، ويمشي وهو يتهدَّم، ويتحدَّث وكله ثقة بأن قدره الأجمل قادم لا محالة، والأهم عنده هو أنه اجتاز الطب ونجح في الحصول على الشهادة، وتخرَّج طبيبًا وهو على يقين أن الفرصة سوف تأتي حتى وإن تأخَّرت...!!! لكنه يقول: لا بد من أن تعي كل الجهات المسؤولة أن الشباب والشابات هم عناصر ثمينة، يفترض أن تستغل وتستثمر في صالح هذه الأرض وهذا الوطن، خاصة وأن البطالة خطرٌ مُحقَّق وشرٌّ عظيم، إن لم يتم التعاطي معها بطريقة تحتوي الأجيال، الذين بالفعل هم يُعيشون متاعبهم معها من سنين، حتى باتت البطالة اليوم حديث المجتمع، وسِيرَة مُقلقة لواقع ما يزال يتجاهل وجودها، وكأنها قضية هامشية..!!!

* (خاتمة الهمزة).. دكتور «برسيم»، هذا هو لقبي الذي قبلته على مضض، ليس إلا من أجل الرغيف.. هكذا أنهى الدكتور «فهد» حديثه معي، تاركًا لي الألم والحسرة... وهي خاتمتي ودمتم.