فيما يبدو فقد استكمل قمر التاريخ استدارته، وحانت لحظة النقصان، لتبدأ من جديد رحلة السعي لاستعادة الاستدارة مجددًا.. هكذا قرأت الحوادث الأخيرة في منطقتنا، وهكذا رأيت مقدمات صدام أمريكي- تركي في شمال سوريا، وتفاهمات روسية-تركية في إدلب.

ودّع العالم حقبة رسمت الأفكار والفلسفات خرائطها وصاغت ملامحها، انتهى الصراع بين آدم سميث وكارل ماركس باستسلام الأخير، بمشاركة غافلة وحثيثة من فلاسفة الموت المجاني من بعض المخدوعين من العرب وبعض غلاة المسلمين.

واستدار العالم مجددًا، ليستقبل حقبة جديدة تديرها المطامع والمخاوف.

أمريكا التي تريد إعادة صياغة الشرق الأوسط انطلاقًا من سوريا، تهيئ خارطة الإقليم لاستقبال دولة كردية، لا تريدها تركيا ولا إيران ولا العراق، ولا سوريا.

وتركيا التي كانت أكبر محطة تنصت على الاتحاد السوفييتي السابق على مدى نصف قرن من الحرب الباردة، تريد هي أيضًا إعادة صياغة شرق أوسط جديد عثماني الهوى، لم يخفِ الزعيم التركي أردوغان تطلعه إليه، فيما تتمدد الانكشارية العثمانية فوق أراض في سوريا والعراق وليبيا والسودان وقطر والصومال وإريتريا.

أما إيران التي كشفت أوراقها مبكرًا، منذ أعلنت أواخر سبعينيات القرن الماضي، عن تصدير ثورتها إلى الجوار، فإن لها حضورًا بالقوة في أربع دول عربية هي لبنان والعراق وسوريا واليمن.

خرائط تركيا وإيران وحتى أمريكا في الشرق الأوسط الجديد، كلها مرسومة بالقلم الرصاص، دولتان فقط نحتتا خرائطهما الجديدة بالرماح والحراب، هاتان الدولتان هما روسيا وإسرائيل.

أحكمت روسيا قبضتها على البحر الأسود، بالسيطرة على القرم، وإدارة خطة انفصال شرق أوكرانيا، ثم قفز الروس إلى شرق المتوسط بقواعد بحرية وجوية في سوريا، يتمدد الحضور الروسي فيها على مدى نصف قرن مقبل، قابل للتمديد.

وراحت إسرائيل تثبت أقدام احتلالها لأراضي الضفة الغربية والجولان السورية والقدس المحتلة، مستفيدة من انغماس أغلب دول المنطقة في صراعات داخلية أو في مواجهة تهديدات إقليمية لأول مرة.

المشهد التركي في عفرين، يُحقِّق أهدافًا روسية، طالما تطلَّعت موسكو إليها.

على المستوى الاستراتيجي، تريد روسيا تمزيق الناتو، وتريد أيضا تفكيك الاتحاد الأوربي، ولعل فلاديمير بوتين هو أكثر مَن استفادوا من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي إثر استفتاء شعبي ثارت الشكوك حول تدخل روسيا في نتائجه عبر اختراقات لشبكة الإنترنت، مماثلة لتلك التي قيل إن الروس استخدموها للإطاحة بفرص هيلاري كلينتون وترجيح كفة ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

أي تصعيد تركي/أمريكي بشأن عفرين ومنبج في سوريا، يَصْب في مصلحة روسيا، ويدق إسفينًا في علاقة أكبر قوتين عسكريتين في التحالف الأطلسي، (أمريكا وتركيا)، وهو ما يحدث الآن، وما قد يتصاعد إذا ما نفَّذ أردوغان تهديداته باجتياح منبج، ولهذا نرى روسيا تسحب ممثلين عسكريين لها من عفرين قبيل الاجتياح التركي

، بينما لا نرى مؤشرات قوية على استعداد واشنطن للتراجع عن دعم الأكراد في سوريا، ما قد يُرشِّح علاقات أنقرة وواشنطن لمزيد من الاحتقان.

الروس يُراهنون على تفكيك الناتو انطلاقًا من تركيا، وعلى تفكيك الاتحاد الأوربي انطلاقا من بريطانيا، وبينما تعيد تركيا إعادة صياغة هويتها من منظور عثماني، لا يرى الروس بأسًا من دعمه طالما يُسهم في تعزيز مصالح استراتيجية روسية تقترب حثيثًا من تحقيق حضور بحري دائم ومؤثِّر في شرق المتوسط وجنوب أوربا.