بحصاد عمل أربعين عامًا، يُكرَّم عم محمد ويُحتفل به وبجهوده في (مستشفى سليمان فقيه).. ليس خبرًا جديدًا أو مدهشًا بالطبع، لكنه حتمًا مؤشِّر إنساني نبيل، حين تلتفت بعض صروحنا ومؤسساتنا لهؤلاء البسطاء الذين لا يكتمل عملها إلا بهم.. فعم محمد عاملٌ بسيط بالمستشفى «يمني الجنسية»، يرتاح أخيرًا أو يتعب لا فرق من العمل في هذا الصرح الطبي، ليُجسِّد حكاية أربعين عامًا من العمل والغربة.

تَشْرد عيناي في البعيد وأنا أشاهد التكريم.. أرحل إلى زمنٍ قديم.. هذا المشفى جمعني يومًا ما مع عم محمد.. مرت الأيام وصورته تلهج بي أبدًا.. لا أعلم ماذا أصنع لذاكرة لا تقدر أن تنسى هؤلاء البسطاء؟.. وكيف أنسى عم محمد وهو بيده أداة النظافة ليُنظِّف ما تتركه أقدامنا؟! يُرحِّب بك وكأن المستشفى بيته.. كنتُ أنتشي بصوته كلما التقيت به، وأحضن السعادة بين ذراعي، أُفكِّر لماذا معظم المنشآت العامة أو الخاصة تحتكر احتفالاتها على الإدارات العليا فيها؟!.. لماذا نغفل أعمال البسطاء، وهم جزء حيوي وهام في أي مؤسسة؟!.

مع الأيام، وتتابع سلسلة الأحداث، كم عم محمد سيعبر حياتنا ثم يُغادرها دون أن نشعر به.. معضلة الزمن دائمًا؛ حين نُدرك أن مساحة البسطاء في المنشآت صغيرة، لكن عملهم كبير!

فرح يلفّني وأنا في ذلك المشفى باحتفال عم محمد، عامل النظافة، الذي لا يعرف من مدينة جدة إلا مكان عمله.. في عينيه سلام ووداعة، وفي يده حنان ورفق، وجسده الذي أنهكته السنوات كأنما أنفقه في حُب كل المرضى وزوارهم، لم أضبطه يوماً ساخطاً على أحد، كبيراً وعظيماً، حراً وشريفًا ونبيلاً من قبل ومن بعد.. لذلك لم يغفله التكريم.. لأن تكريم مَن هم بطبيعة عم محمد وعمله، أظنه سيكون إحدى منجزات أي منشأة، يتكاثر فيها عم محمد وأشباهه.