من يتتبع حال العرب قبل الإسلام يجد أنهم كانوا يعيشون حالة مستدامة من التناحر والتنافر البغيضين بين قبائلهم المتناثرة هنا وهناك، والتأريخ يحكي لنا الكثير من قصص ذلك التنافر والتناحر، الذي كان يستثار بينهم، ويكون ضحاياه بالآلاف لأتفه الأسباب، كقتل ناقة، أو سبق فرس، أو للظفر بمرعى... أو ما شابه ذلك، واستمر ذلك الحال المخزي حتى مجيء الأنموذج الرباني لإصلاحه، والمتمثل في الرسالة السماوية التي جاءت على يد سيد البشرية محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي اصطفاه الله واختاره من بينهم ليكون سبباً في إخراجهم من ذلك الضلال الذي يعيشونه، كما في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، والعجيب في الأمر أن أقرب تلك القبائل لهذا النبي المرسل قد حاربته حرباً شعواء، وطردته وعذَّبت متّبعيه، واتهمته بالجنون، واستعانت على محاربته باليهود آنذاك، وحاكت لكبت دعوته أشد وأقبح المكائد، لولا أن قيّض الله له من احتواه وسانده من قبائل الأوس والخزرج، التي تعد الأبعد عنه، حتى اكتمل بناء ذلك الأنموذج الرباني خلال عصر النبوة. لكن ذلك الأنموذج الأمثل لم يَدُم طويلاً بصورته المنزلة من السماء، بل بدأ يتلاشى ويضمر بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى عاد الحال كما كان عليه قبل البعثة النبوية، وإن اختلفت الأساليب والأدوات، حيث امتد عبر العصور الإسلامية حتى هذا اليوم، حيث نجد أن تلك الحروب قلّما تتوقف بين القبائل والطوائف والدول، ولعل الحال الذي نشهده هذه الأيام يُفصح عن حجم ذلك التنافر البغيض الذي استشرى في مسارب دولهم في هذه المرحلة الزمنية، التي أصبح فيها العالم في تسارع عجيب نحو الابتكار والاختراع، بينما العربان لازالوا يُمارسون تلك المكائد فيما بينهم، وتناسوا جميعاً ما يدور حولهم من التنافس على الإبداع والابتكار في كل منحى من مناحي الحياة، وبقوا عاجزين عن صنع أي منتج حضاري يستطيعون من خلاله منافحة العالم من حولهم ، الذي كان ولازال يتسارع يوماً بعد يوم في نثر الإبداع والابتكار، بينما العربان منغمسون في تناحرهم وتنافرهم، ماعدا القليل من المنتوجات البدائية من كساءٍ ودواء وغذاء لا تفي بأدنى متطلبات الحياة الكريمة.

أما فنون الشعر والخطابة، فقد أبدعوا فيها وتجلوا أعلى درجات التجلي، وخاصة في جانب المفاخرة بالأنساب والقتال المنتفخة بالهياط. والله من وراء القصد.