لكي نفهم الآيات القرآنية فهمًا صحيحًا، ونبني عليها أحكامًا فقهية صحيحة لابد أن نقرأ ما قبلها وما بعدها، أمّا أن ننتزعها من سياقها ونبني عليها أحكامًا فقهية، فسيوقعنا هذا في أخطاء كثيرة، كالأخطاء التي وقع فيها بعض الفقهاء في الأحكام التي استنبطوها من آية (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ)، حيث انتزعوا هذه الآية من سياقها، فأخرجوها تمامًا منه، وعمّموها على وجوب النفقة على الغير من الأقارب وذوي الرحم، فحمّلوا الآية فوق ما تحتمل، وأبعدوها تمامًا عن سياقها، فلو قرأنا الآيات (231- 233) من سورة البقرة نجدها تتحدث عن أحكام الطلاق والنفقة على المطلقات الحوامل، وبعد الولادة؛ إذ توجب على المُطلقين الإنفاق على مطلقاتهم الحوامل أثناء الحمل وبعد الولادة إلى أن يبلغ المولود حوليْن كامليْن، وواضح هذا من صيغة الخطاب (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ..) (البقرة: 233). فوجوب النفقة هنا للمطلقات أمهات المولود له، وليس وجوب عليهن النفقة، فالضمير في كلمة (له) يعود إلى الأب الذي عليه نفقة وكسوة المطلّقات أمهات المواليد.

فمن أهم القضايا التي ينبغي الإشارة إليها فيما نحن بصدده، قضية الخطاب القرآني. ففي القرآن الكريم واللغة العربية عمومًا نوعان من الخطاب، أحدهما: خطاب للذكور والإناث معًا للتعميم. وثانيهما: خطاب للإناث وحدهن للتخصيص.

فليس في اللغة العربية خطاب للذكور وحدهم. وأكثر ما يطالعنا في القرآن الكريم هو هذا الخطاب المشترك، فقوله عزّ وجل: (آمنوا بالله ورسوله) ليس موجهًا للرجال وحدهم، كما لا يخفى على أحد. فالآية تقول: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ) أي على المولود لهم من آباء نفقة وكسوة أمهات أطفالهم المطلقات إلى أن يتم المولود الرضاع، فإن توفي الأب قبل بلوغ المولود سن الفطام، يلزم الورثة بذلك، فكيف تؤخذ الآية بصيغة العموم، مع أنّ خطاب جمع المؤنث يأتي على التخصيص وليس على العموم ، فبعض الفقهاء أبعدوا الآية (233) عن سياقها، وحصروها في وجوب نفقة الأقارب على الغير، وفهموا (وعلى المولود له) أنّها تشمل الأب والأم، مع أنّ الآية بيّنت المنفق عليهن بقوله: (رزُقهن وكسوتهنّ)، ومع هذا أوجبوا على الأم النفقة على ولدها عند وفاة الأب، أو فقره، كما أوجبوا عليها النفقة على والديها الفقيرين، مثلها مثل إخوتها الذكور بذات النسبة -وهي ترث نصف أخيها الذكر-، ومنهم من قال بنصفها، وكذلك أوجبوا عليها نفقة الأقارب من الفقراء، مع أنّ سياق الآية بعيد كل البعد عن ما ذهبوا إليه، كما نجد أنّ أحكام النفقة التي أوجبها بعض الفقهاء على المرأة لحق الغير لا يتفق مع إلزام الزوج بالنفقة على زوجته ولو كانت غنية، كما نجد في هذه الأحكام تناقضًا مع الحبس الزوجي الذي قرّره بعض الفقهاء بإعطاء الزوج حق منع زوجته من العمل تحت ذريعة أنّها محبوسة له مقابل إنفاقه عليها.

وأتساءل: كيف لم يتنبّه هؤلاء الفقهاء إلى هذه الأخطاء، فكرّروا كل عصر أخطاء الذين سبقوهم، مرددين تلك الأحكام؟.