يحلو لرؤساء الجمهوريات البائسة الفقيرة، الحديث في مستهل حكمهم عن الديمقراطية «الأم»، والدستور «الأب».. وعن ضرورة وجود «معارضة»؛ لأنها الضمانة الشعبية لاستمرار سلطة قوية تلبي حاجات المجتمع وطموحات الشعب.

أتحدث هنا عن نماذج عايشتها، بل التقيتها مرات عديدة في مقرات الرئاسة، أو في مؤتمرات إقليمية ودولية.. حيث «الديمقراطية» جميلة، و»الدستور» عظيم، و»المعارضة» وطنية، و»القضاء» نزيه.

شيئًا فشيئًا، ومع ظهور أول صوت معارض، تقل نوبات الحديث عن هذه الأشياء، ويفرض حديث الأخطار التي تهدد المجتمع والشعب والديمقراطية والدستور والقضاء نفسه في كل مناسبة؛ حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

أتحدث هنا عما يجري الآن في المالديف، تلك الدولة المسلمة الواقعة في المحيط الهندي، والتي دخلها الإسلام عام 548 هجرية على يد داعية مغربي، وحكمها عدد من السلاطين نحو 800 عام، قبل أن تتحول إلى جمهورية عام 1968 ميلادية.

أتحدث تحديدًا عن رؤسائها الثلاثة: مأمون عبدالقيوم، ومحمد نشيد، وعبدالله يمين؛ حيث تشهد مالديف الآن معركة سياسية بينهم، نسوا فيها كل ما ذكروه عن الديمقراطية والدستور واحترام المعارضة والحوار والقضاء... وغير ذلك من كلام جميل.

لقد ظل الرئيس عبدالقيوم طيلة سنوات حكمه التي امتدت إلى ثلاثين عامًا.. يتحدث عن الديمقراطية والشورى والطهارة السياسية ونظافة اليد، خاصة في العشرة الأولى التي شهدت بالفعل إصلاحات لا ينكرها إلا جاحد، وفي العشرة الثانية، بدأ الحديث عنها يقل تدريجيًّا، حتى اختفى في العشرة الأخيرة؛ حيث راح يتحدث معي عن ضرورة اليقظة للأخطار التي تهدد المجتمع.

كنت حينها قد التقيت المعارض الشاب محمد نشيد الذي علا صوته حتى عم أرجاء العالم، مناديًا بإعلاء قيم الديمقراطية، وتلبية حاجات الشعب.. ولأن ذلك كذلك، فقد هب الشعب مدافعًا عن نشيد، الذي خرج لتوه من المعتقل، مصوتًا له في الانتخابات التي جاءت به رئيسًا للبلاد.

وكان ما كان، واختفت لهجة نشيد، تحت وقع معارضة شرسة من عبدالله يمين الأخ غير الشقيق للرئيس مأمون.. واختلط الحابل بالنابل، واتهم الرئيس نشيد بممارسة القمع والديكتاتورية، قبل أن يتقدم باستقالته على وقع احتجاجات قادها المعارض «يمين».

ثم كان ما كان، وجاء الرئيس الحالي عبدالله يمين عام 2012، وتغيرت أوصاف الرئيس نشيد من حامي حمى الديمقراطية إلى كبير الديكتاتوريين.

ثم استيقظ العالم قبل أسبوع على خبر أوامر اعتقال للرئيس مأمون والرئيس نشيد ورئيس المحكمة العليا، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد حتى الآن!

لاحظ معي أنه في الحالات الثلاث، خرج الشعب معترضًا على «الديكتاتور»، ومحييًا «الزعيم المخلص».. صحيح أنهم هم نفس الثلاثة الذين تحولوا أو تحولت أوصافهم من ديمقراطيين إلى ديكتاتوريين، لكن الصحيح أيضًا أنه نفس الشعب!!.