قَبْل فَترَة، كَتبتُ عَن الأَفكَار الإبدَاعيَّة، التي تَأتي للإنسَان أَثنَاء خُلوَته بنَفسهِ فِي الحَمّام.. ثُمَّ تَماديتُ فِي الأَمر، وخَصَّصتُ حَلقَة مِن بِرنَامج «خُذ حَلّ»، عَن عَلَاقة الأفكَار بالحَمّام، واستَعرضتُ تَجارب بَعض مَن كَانت مُعظم أَفكَارهم الإبدَاعيَّة؛ تَأتيهم وهُم فِي الحمّام.. واليَوم نَحنُ بصَدَد الحَديث عَن مَوضوع مُحدَّد، وهو «جَمعيَّة قُرّاء الحَمّام»، تِلك الجَمعيَّة التي أَصبَحت مَدرسَة مِن مَدَارس القِرَاءَة، التي يُشَار لَها بالأَصَابِع العَشْر، وتُكتَب عَنهَا البحُوث والدِّراسَات..!

دَعونَا فِي البِدَايَة نُؤصِّل المَسأَلَة تُراثيًّا، ونَقول: إنَّ سَلفنا الصَّالح عَرف القِرَاءَة فِي الحَمّام، ومَارسها، فهَذا الإمام «ابن القَيِّم» يَقول: (حَدّثني «عبدالرحمن بن تيمية» عَن أَبيه، قَال: كَان الجِدّ -يَعني «أبا البركات ابن تيمية»- إذَا دَخلَ الخَلَاء يَقول لِي: اقرَأ هَذا الكِتَاب، وارفَع صَوتك حَتَّى أَسمَع)..!

لقَد انضَممتُ إلَى هَذه الجَمعيَّة -قَبل سَنوَات- فِي بِدَاية سَفري لبريطَانيَا عَام 2004، وكعَادتي فِي التَّعَامُل مَع الأشيَاء، لَا آخذهَا كَمَا هِي، بَل أُطعِّمها وأُكحِّلها ببَعض لَمسَاتي غَير المُتوَاضِعَة، حَيثُ وَضعتُ آلَة تَسجيل، أَسمَع بوَاسطتهَا بَعض الرِّوَايَات المُهمَّة، مِن خِلال القِرَاءَة بالأُذن، وهَكذَا أَصبَحتُ أَستَمع إلَى قَرَابة السَّاعتين أُسبُوعيًّا، أَثنَاء إقَامتي فِي دَورة الميَاه..!

إنَّ الدِّرَاسَات العِلميَّة تَقول: إنَّ الإنسَان يَقضِي -تَقريباً- مِن ثَلاث إلَى خَمْس سَنوَات مِن عُمره فِي الحَمّام، ولَكُم أَن تَتخيَّلوا، لَو استَثمرنَا نِصف هَذه المُدَّة، سيَكون كُلٌّ مِنَّا مِن أَفضَل المُفكِّرين، لأنَّ القِرَاءَة فِي الحَمّام مُفيدَة، مِن حَيثُ استثمَار الوَقت المَيِّت، وكميَّة التَّركيز العَاليَة، نَظراً لأنَّ الإنسَان يَختلي بنَفسه، ويَترك جَوّاله خَارج مُربّع دَورة الميَاه..!

حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟!

بَقي القَول: إنَّ الإنسَانَ العَاقِل، يَستَثمر كُلّ دَقيقَة مِن عُمره، فِي تَحصيل المَعرفَة، لذَلك أَخَذتُ عَهدًا عَلَى نَفسي، بأَن أُطوِّر ذَاتي وأزيد مَعارفي، حَتَّى ولَو كُنتُ فِي دَورة الميَاه، ولَن أَعبَأ أَو أَهتَمّ بأُولئك القَائلين: «الله يقرفك.. مَا لَقيت إلَّا هَذا المَكان؟»، لأنَّ مَن يَقول هَذا الكَلَام، هو إنسَان مِثَالي يَتعَالَى عَلَى الوَاقِع، وأَنَا والمُتَعَالون والمِثَاليون، لَا نَسير فِي نَفس الاتّجَاه.