الانقسام في المؤسسة السياسية الأمريكية انعكس على أداء السياسة الخارجية لأمريكا، ولوحظ أن وزير الخارجية الحالي والذي يجد صعوبة في التأقلم مع توجهات ومواقف الرئيس دونالد ترامب، فقد الموقع الذي كان يحتله وزراء الخارجية، السابقون على الحلبة الدولية، إذ لا يعتبره البعض مؤثراً بما فيه الكفاية. ويُؤكِّد ذلك بعض تغريدات سيّد البيت الأبيض، الرئيس الأمريكي، وأصبح من الصعب معرفة توجهات السياسة الخارجية لأمريكا في معظم أنحاء العالم، وإن كان يُرجَّح أنها لازالت استمراراً للتوجه العام السابق لها.

وبالرغم من أن شخصية دونالد ترامب وتغريداته تُشكِّل عنصراً رئيسياً في الانقسام الحاد الواقع داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، إلا أن فوز ترامب بالرئاسة عبر عن توجُّه عام للناخب الأمريكي أحدث به تغييراً في كل أنحاء الولايات الأمريكية خلال الانتخابات العامة الأخيرة، وأوصل إلى مراكز صناعة القرار في عدد من الولايات وواشنطن سياسيين يرغبون بتغيير النظام السياسي الليبرالي الأمريكي لمصلحة نظام بديل لم يتضح بعد. وهو أمر تقاومه الآن مؤسسات الحياة السياسية بأمريكا، وما يُطلق عليه الدولة العميقة، ويشمل الإعلام والقضاء وأجهزة المخابرات بمختلف أنواعها، إلى جانب مراكز الأبحاث والهيئات الاستشارية وجماعات الضغط، وأكثرية أعضاء الحزب الديمقراطي.

وأدَّت الهجمة على النظام الليبرالي العالمي من قِبَل ترامب والمجموعة السياسية التي اعتلت معه مراكز صناعة القرار إلى ردِّ فعل رافض ودفاعي من قِبَل المؤسسات القائمة في أوربا، بما في ذلك صُنَّاع السياسة والإعلام والفكر، والأجهزة الاستخبارية الأوروبية المتعددة. وانعكس كل ذلك على السياسة الخارجية لهذه الدول، مما يُؤثِّر على وضعنا بالشرق الأوسط.

وهناك مؤشرات علينا مراقبتها والتحسُّب لنتائجها، وما يلفت النظر أن الحديث قد تحوّل سياسياً وإعلامياً بأمريكا وأوربا من التحذير من الإرهاب (الإسلامي) إلى التحذير من مخاطر الإسلام (السنّي)، ووصل الأمر بإدارة الهجرة الأمريكية للطلب مؤخراً من أجهزتها مراقبة (المسلمين السنّة)

، حسبما أشارت إليه بعض وسائل الإعلام. وإلى جانب مجموعات ضغط في واشنطن للتقليل من مخاطر التوسع الإيراني والنشاط النووي لطهران كردِّ فِعل لمواقف البيت الأبيض المعارض لها، حيث يبدو أن أجهزة عدة تسعى للمحافظة على ما حقَّقه الرئيس الليبرالي الأمريكي السابق، أوباما، من مكاسب لحُكَّام إيران، وتعطيل المكاسب.

وواضح أن العاصمة الأمريكية تحوَّلت إلى منطقة صراع جذبت كثيراً من الأجانب (غير الأمريكيين)، أكثر مما كان في السابق، للعب دور عبر جماعات الضغط والمصالح الاقتصادية للتنافس على التأثير على صانع القرار بأمريكا. وتتعارض أحياناً أهداف بعض مَن يقفون وراء جماعات الضغط من بعضها الآخر، مما يُحوِّل العاصمة الأمريكية إلى منطقة صراع من نوعٍ آخر فيما بين هذه المصالح، التي قد تكون متناقضة، تعمل على إضعاف موقف كل منها وتضخيم أهمية ومصلحة كل دولة ضد منافستها، وجذب صاحب القرار الأمريكي لدعم الموقف الذي تعرضه ضد الموقف الذي يعرضه الجانب الآخر. وهذا أمر يجعل من صانع القرار الأمريكي حكماً في قضايا من الأفضل حلَّها خارج أمريكا لا داخلها.