من الطبيعي أن تتركز تطلعات الشعوب من جهة، ووعود المسؤول من جهة أخرى على توفير الخدمات وتسريع المشاريع، غير أننا حينما ننقِّب في دهاليز تلك التطلعات والوعود عن أي ملمح أو وجود للثقافة أو حتى مجرد ذِكر لها فإن الأمر يغدو أشبه بمن يبحث عن إبرة في أعماق محيط مترامٍ أو بحر لُجيٍّ. الأمر الذي يكاد يتواطأ عليه الجميع هو أنه من غير المعتاد أن يجعل المسؤولُ الثقافةَ مرتكزًا لزياراته أو متنًا فيها، بل إن الهامش يُعد -في نظر البعض- كثيرًا بحقها. ثم إن التساؤلات قد تنثال حول زيارة المسؤول إن هو التفتَ للثقافة، وذلك على شاكلة: وهل انتهت الهموم والإشكاليات كلها حتى نلتفت للثقافة؟، وهل توفرت الاحتياجات والمشاريع جميعها حتى تُقحَم الثقافة في أجندة الزيارة؟.

تأسيسًا على ما سبق تأتي الزيارات التفقدية التي يقوم بها أمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل لمحافظات المنطقة لتحمل هذه السنة نهجًا جديدًا، ومبادرة غير مسبوقة، وتغيرًا مرغوبًا في أهداف ومضامين زياراته، ويتمثل ذلك النهج الجديد في لقاء سموه بمثقفِي المحافظات -أدباء ومفكرِين- لمناقشة الشأن الثقافي لمحافظاتهم انطلاقًا من إيمانه بأن الثقافة على تَلازُم وثيق مع التنمية، وأنها لم تعد ترفًا بحيث لا يتم تعاطيها إلا وقت الفراغ والتسلية. جَعْلُ سموه الثقافةَ متنًا في زياراته التفقدية يمثل تحولاً في مسار الزيارات والاهتمامات، ويمثل سيرًا على النهج العُلوي الذي انتهجه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في لقائه السنوي الكبير بالمثقفِين السعوديين على مستوى الوطن، وهو الذي أكد في لقائه -الأحد الماضي- بالمثقفِين (من داخل المملكة وخارجها) من ضيوف المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) على أهمية الثقافة «بصفتها مُرتكزًا أساسيًّا في تشكيل هوية الأمم وقِيَمها»

. سموه في نهجه هذا ينطلق من إيمان راسخ بأهمية الثقافة وأدوارها، وأهمية من يحمل مشاعلها وفاعليتهم، ولذا يؤكد سموه على «أن الحراك الثقافي الذي تبنته إمارة المنطقة هدفَ لتحقيق أحد أهم ركائز التنمية وهو بناء الإنسان؛ إذ إنه لايمكن الوصول لتنمية حقيقة ما لم تكن هناك حركة ثقافية، فحضارة الأمم تقيم مكانها بين الشعوب التي تحترم الإنسان وتقدر عقله وتنشد جماليته، لذا فإن الإمارة تعمل على نشر الثقافة التي تفردت بها المملكة وهي الثقافة الإسلامية المبنية على مبادئ وقيم الدين الإسلامي الحنيف». ولعل ملتقى مكة الثقافي يقف شاهدًا على توجه الإمارة الجاد للاستثمار في الثقافة كونها المناخ الأمثل لنمو الأفكار الإبداعية وإعادة تشكيل المفاهيم وصناعة الحضارة المنشودة. وما دام أن الإمارة ارتضت هذا النهج وتمسكت به فالمؤكد أن المحافظات والمراكز ومؤسسات المجتمع في المنطقة لا يسعها إلا الاشتغال على الثقافة التي تسهم بكل تأكيد في بناء فكر الإنسان ووعيه كون الإنسان يشكل الركيزة الأولى والأهم من ركائز بناء التنمية. من جانبه لا يملك الفرد إزاء هذا الاهتمام المتنامي بالثقافة وأهميتها والمثقفِين وأدوارهم إلا أن يرفع سقف طموحاته بأن تأخذ الثقافة مجددًا مكانها وتستعيد مكانتها، حتى تكون لها بصمتها المميزة في خارطة المسيرة الفكرية والتنموية في الوطن.

وهذا ما دفعني لأتداخل وأبيِّن لسموه -في لقائه أمس الأول بمثقفِي القنفذة والعُرضيات وأَضم- حالة التجاهل من قِبَل بعض القائمِين على المهرجانات التراثية والمؤتمرات الأدبية والثقافية لمثقفِي محافظات الأطراف بمنطقة مكة، فوعد سموّه بمتابعة الأمر بنفسه، ورغبتُ إليه أن تبقى أكاديمية الشعر العربي في الطائف للشعر وحده، فوعد بذلك ما بقي حيًّا.