كتبت مؤخراً مقالاً في مجلة مكة الصادرة عن أمارة منطقة مكة المكرمة أشدت فيه بالرؤية الإستراتيجية التنموية للمنطقة بجعلها «الإنسان» أساساً تقوم عليه جميع خطط التنمية، وهو أمر يمكن ملاحظته في شعار (بناء الإنسان وتنمية المكان) الذي قدم الإنسان وجعله في صدارة الاهتمامات والأولويات، إذ لا تنمية بدون وجود إنسان يتسم بالوعي والمعرفة والإخلاص والانضباط واحترام النظام.. إنسان قادر على مواكبة المرحلة الانتقالية الطموحة التي تمر بها المملكة في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والعمرانية والتي تقتضي تأصيل الثقافة الإسلامية التي قام عليها هذا الكيان العظيم في مواءمته بين الأصالة والتحديث.

فبقدر نجاحنا في بناء ذلك الإنسان المنشود «القوي الأمين» سيكون نجاحنا في تحقيق طموحاتنا التنموية، ومما لا شك فيه أن هناك مجهودات ضخمة يتم بذلها في محوري «الإنسان» و»المكان» سواء من خلال التعليم والتوعية وتطوير الأنظمة والقوانين، ناهيك عن الجهود المطلوبة لتحقيق التنسيق والتكامل والتناغم والتطوير في محوري «القطاع الخاص» و»القطاع العام».

في اعتقادي أن ما تحتاج إليه إستراتيجية التنمية في المرحلة الراهنة هو وجود أداة علمية دقيقة لقياس التأثير والتقدم الحاصل في الجزئية المتعلقة ببناء الإنسان على وجه التحديد باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه كافة الأجزاء الأخرى ويتوقف عليها نجاح -أو تعثر- كافة المشاريع التنموية وتحقيقها لأهدافها.

ربما يكون مشروع تطوير الواجهة البحرية مثالاً يمكن استدعاؤه بهذا الصدد لقياس مدى التزام كل طرف بمسئولياته عبر أسئلة منها: لماذا لا زال البعض يمارس تخريب الممتلكات العامة التي أنشئت خصيصاً لراحتهم ورفاههم؟ لماذا يستمر تقصير المقاولين والذي يتضح بجلاء في ضعف ونوعية أدائهم وافتقاره للصلابة والجودة التي ينبغي توافرها في مشاريع البنية التحتية للمدن؟ فعلى سبيل المثال يلاحظ تفكك الأرصفة وتآكلها بعد أسابيع قليلة من إنشائها. ملاحظة أخرى ملفتة ذات علاقة بهذا الشأن هي تمديدات أنابيب ري الزراعة التي تتوسط تلك الأرصفة والتي لم تستخدم إطلاقاً، ومع ذلك يتم تجديدها باستمرار رغم أن الري يتم باستخدام الصهاريج (الوايتات). وأخيراً، لماذا تغيب الرقابة على جودة أداء تلك المشاريع من قبل الجهات المعنية رغم أن كثيراً منها يمكن رؤيته بسهولة بالعين المجردة، ومنه نوعية الأرصفة والسفلتة وأنابيب الري؟

هذه الأمثلة البسيطة هي مجرد حالات تؤكد أن بناء الإنسان هو الأساس الذي ينبغي أن تعمل عليه جميع الجهات بالتدريب والتطوير والتوعية من ناحية، وبالرقابة والمتابعة والأنظمة الصارمة، إضافة إلى توظيف أدوات القياس والتقييم الفاعلة والدقيقة من ناحية أخرى لمعرفة نواحي القصور إن وجدت وعلاجها.