أَكتُبُ كَثيرًا عَن مَقَاييس الجَمَال، وتَنوُّع الأذوَاق؛ لأنِّي أَرَى أَنَّها سَبَب مِن أَسبَاب المُشْكِلَات بَين النَّاس، فكُلّ شَخص يَثق بعَقلهِ لَا بمَالهِ، ويَعتَقد أَنَّ ذوقَه ورَأيه هو الأَصْوَب، وكَأنَّ هَذا الرَّأس جَاء بتَأييد مِن السَّمَاء..!

هَذا المَوضوع لَيس جَديدًا، بَل هو يَتجدَّد ويُطرَح كُلَّما دَعَت الضَّرورَة لَه، وكُلَّما اختَلَف النَّاس حَول أَشيَاء؛ تَتحمَّل قَابلية الاختلَاف، وتَعدُّد الآرَاء، وتَنوُّع وجهَات النَّظر..!

وحَتَّى أُؤكِّد عَلَى قِدَم هَذه النَّظريَّة، تَأمَّلوا هَذا النَّص، الذي كَتبه الدّكتور «علي الوردي»؛ قَبل خَمسين سَنَة، فِي كِتَابه «خَوَارق اللاشعور»، حَيثُ قَال: (قَد يَذهَب صَديقك إلَى فِيلم فِي إحدَى دور السِّينمَا، فيُعجبه، وتَذْهَب أَنتَ إليهِ فلَا يُعجبك. ولَعلَّ مَنشَأ ذَلك: أَنَّ صَديقك يُحبّ الرِّوايَات الغَراميَّة، المَملوءَة بالعَواطِف المَشبُوبَة، والخَلجَات النَّفسيَّة، بَينمَا أَنتَ تُريد مِن الفِيلم، أَنْ يَكون اجتمَاعيًّا، أَو حَربيًّا أَو تَاريخيًّا، وكُلّ وَاحِد مِنكُمَا يَعتَقد أَنَّه أَفضَل مِن صَاحبه، وأَصح رَأيًا..!

وقَد يَتنَازع اثنَان حَول فَتَاة: هَل هي جَميلَة أَم لَا؟ وقَد يَنتَهي الأَمر بَينهمَا إلَى الصَّفعَات واللَّكمَات. إذْ أَنَّ كُلًّا مِنهمَا يَعتبر الآخَر سَيئ الذّوق، أَو خَبيث الطّويّة. والوَاقِع أَنَّهمَا كِلَاهُمَا سَخيفَان. فالذّوق كالنَّظَر العَقلي، عَليهِ إطَار يُحدِّد مَجَاله. وقَد قَال أَحَد البَاحثين فِي هَذَا الصَّدد: إنَّ كُلّ رَجُل يُحبّ مِن الفَتيَات، تِلك التي تُشبه أُمّه. فمَلَامِح أُمّه تُؤلِّف فِي أَعمَاق نَفسه، إطَارًا لَا شعُوريًّا، لَا يَستَطيع هو أَنْ يَتذوَّق الجَمَال، إلَّا مِن خِلَاله..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: إنَّني أَندَهش وتَستَولي عَليَّ عَلَامة التَّعجُّب، حِين أَرَى النَّاس يَتنَازَعون فِي المَسَائِل، التي تَخضع لاختلَاف الأَذوَاق، وتَنوُّع الجَمَال، وتَعدُّد الآرَاء، وكَثرة وِجهَات النَّظَر؛ لأنَّهم يُريدون أَنْ يَجعلوا الأمُور النِّسبيَّة قَطعيَّة، وهَذه ضِدّ سُنن الكَون، التي لَا تَقوم الحَيَاة إلَّا عَليهَا..!!