تسلّلت قدماه إلى الحارة في ريعان الشّباب وطلعته. عرفها عن بعد عندما كان يجلس على مقاعد الدّرس في دار العلوم الشرعية. ولقد كان مراقب المدرسة على شدّته يسمح لبعض الطلاب بالخروج من المدرسة في الزمن المخصّص لما يعرف باسم «الفسحة الكبيرة». وجد نفسه منساقًا لدعوة أحد زملائه من الإخوة المجاورين، بعد أن توطّنوا بلد الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، هربًا من الحقبة الاستعمارية التي أنهكت قواهم، واحتضنتهم بعض البلدان العربية الأخرى. الرفيق «العقبي» طلب من الفتى ومن زميل آخر مساعدته على حمل دوارق الماء من سبيل «عم مالاة» في الحارة إلى داخل الحرم، حيث كان النّاس يقفون بالقرب ممّا عرف باسم المنارة الرئيسية لسماع صاحب الصوت النَّدِي والقوي الشيخ حسين بخاري. وأزعم أن هذا الصّوت لم يتكرر بعد، وإن وجدت بعض ملامحه عند ابنه المرحوم عبدالعزيز.

حمل الفتى بعض دوارق بين يديه، ولكنّه كما يقولون كان غير متمرس في مثل هذه الصنعة، فأشفق عليه الزميل «العقبي» ورفيقه من إتمام المهمة، وأكمل ثلاثتهم مسيرتهم ووضعوا دوارق الماء في الصناديق المخصّصة لها، التي كانت الحارة تمتلئ بها، والتي كانت تحمل أسماء بعض أصحابها مثل: المنادي، والمقيم، والأفندي، والحجّار وسواهم.

وفي مرحلة لاحقة من حياته عرف فيها حارة «الأغوات»، كما يعرف حارته التي ولد فيها، أعني «العنبرية» و»السيح»، فقد كان صديقه «الزين» رحمه الله، يسكن هذه الحارة بعد أن نزح من أرض اليمن واستوطن أرض الحجاز، فلقد عرف معالمها الرئيسة – أي الحارة –

حيث كان يسكن الأغوات، وكانوا إمّا من البلد العربي السودان، وهم الكثرة الغالبة، أو من بلاد الحبشة. كما عرف مقهى «المعلّم طيفور»، الذي كان يميز لباسه عن الآخرين اتساع الثوب الذي يلبسه ليستطيع أن يشد عليه حزامًا عرف باسم «البقشة»، و»كوفيّة بلدي» منشّاة لا يغطيها شيء. وكان المعلم عليه ملامح سمراء، كما كان واثق البنيان، تندّ عنه بين الحين والآخر ابتسامة هي الأقرب إلى ابتسامة الأبوّة والأخوّة، كما كان مربوع القامة، يمر مختالاً في مشيته بين الحارة والسوق في المناخة.

لمح الفتى المعلّم وهو يخرج من واحدة من تلك الغرف الصغيرة المنتشرة في ذلك الفضاء المتسع المنفتح على السماء، والذي يدعى بـ»الرستمية»، ويبدو المعلم طيفور في سلوكه وكـأنه المسؤول عن هذا المكان، فلقد كان هو محسوبًا ومن قبله والده على خدّام الحرم النبوي الشريف، ومثوى سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الحجرة الشريفة، أعني «الأغوات».

في الرستمية كان يعيش العم «حسب الله»، وكان صاحب نكتة حاضرة، و»المعلم التُّوم»، الذي بهر الفتى عندما وجده يجيد اللُّغة الفرنسية، وشخصية أخرى غريبة يدعى بـ»السحلبجي»، وكان لا يتحدّث إلى النّاس؛ بل إلى نفسه، ويلبس الداكن من الملابس، وكلّف نفسه تطوّعًا برشِّ برحة الحارة مع مطلع صباح كلّ يوم، حتى تكون مهيّأة للجلوس فيها على الكراسي المصنوعة من الخشب. كما كان مع هؤلاء الرفاق «معلم سعد»، أحد أتباع شيخ الأغوات السابق «اسحق»، وكان سعدًا هذا؛ هو ورفيق له من أرض اليمن اسمه «الزيبق»، يحفران القبور للموتى في بقيع الغرقد. وتوجّه المعلّم طيفور يومًا للحديث إلى الفتى قائلاً له: ترا أنا أعرف والدك وجدك، وأنت مرحب بك بيننا، ولكن أريد أن أسألك فين راح عنّا ولد سيدي؟ ويقصد بذلك شخص السيد أسامة السّنوسي، وكيل الخارجية السابق، فلقد انقطع الصديق لسبب أو آخر عن الحي، ووجد الفتى نفسه متلجلجًا في الرّد، وغصّت الكلمات وتبعثرت بين لسانه وحنجرته، ورد على المعلّم: هو طيب، ولابد أن يعود يومًا. ووفى أبو أحمد بوعده وعاد إلينا، وهو البقية من الأحباب الذين كانوا يبذلون جاههم عندما كان سفيرًا داخل المملكة وخارجها.

اليوم يا صديقي نعيش حنينًا جارفًا، وتوقًا أزليًا إلى أولئك الطيبين الأنقياء من القوم، الذين نزحوا إلى تلك الأرض الطّاهرة طمعًا في جيرة الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، وأملاً في الحصول على شفاعته، بأبي أنت وأمي يا سيّدي يا رسول الله، صلّى الله عليك وعلى آل بيتك الطّاهرين، وأصحابك البررة الكرام، الغرّ الميامين، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.