في ساحات المسجد النبوي الشريف، قابلتُ شاباً سعودياً يعمل في شركة سياحية، ووظيفته هي استقبال الزُوّار الراغبين في التجوّل على حافلات الشركة بين مزارات المدينة المنوّرة!.

وهي وظيفة شريفة، ولا تشوبها عائبة، خصوصاً أنّها تُعرِّف الزُوّار بمعالم السيرة النبوية، مع نبْذ البِدَع التي تراكمت في أذهان بعض الزُوّار عنها، رغم راتب الوظيفة المتواضع، والبالغ ٣٦٠٠ ريال فقط!.

غير أنّ الشاب وكما تبيّن لي حاصل على شهادة البكالوريوس في الرياضيات، وهُنا دعوني أقف وقفة تعجّب (!)، وليت الجهات المسؤولة عن العمل تقف معي لكن ليس وقفة تعجّب (!)، بل وقفة فيها حركة و»أكشن» لحلّ مشكلة عدم وجود وظائف مناسبة لشبابنا في كثيرٍ من تخصّصاتهم التي درسوها، وهم لا ذنب لهم في حصول هذه المشكلة، لا ماضياً، ولا حاضراً، ولا مستقبلاً، وهم واقعون الآن إمّا تحت مطرقة البطالة، أو تحت سندان التوظّف في مجالات بعيدة عمّا درسوه، رغم توفّر الوظائف الكثيرة المناسبة لتخصّصاتهم لكن في أيدي الوافدين الكرام!.

وبالنسبة للرياضيات، فإنّ جهاتنا التعليمية، لا سيّما في القطاع الأهلي، تعجّ بالكثير من المُدرِّسين الوافدين، لدرجة التُخمة، هذا في النهار، أمّا في المساء فيحتكرون الدروس الخصوصية، وترى مُلصقاتهم مُعلّقة على جُدران بيوتنا ومساجدنا وأسواقنا للدعاية المجّانية عن أنفسهم، بينما شبابنا وشاباتنا يُعانون من البطالة، أو من العمل فيما لا يرغبون فيه ولم يدرسوه، عجبي!!.

ولو قُدِّر لعالِمِ الرياضيات المسلم «الخوارزمي» أن يُبعث من قبره، لأمطرنا باحتجاجاته، ومعه حقّ، إذ وظّفْنا وارثي عِلْمه الذي أسّسه هو في حافلة سياحية بدلاً من ميادين النظريات واللوغاريتمات والجداول والمعادلات الرياضية التي هي أساس كلّ تطوّر علمي!.

أنا أعتبر هذا الشاب، وغيره من الشباب غير العاملين في مجالات تخصّصاتهم الدراسية، عاطلين عن العمل، مثلهم مثل معدومي الوظائف، وإن لم نُخطّط ونُنفّذ لهم.. صح.. فهم قد صاروا استثماراً خاسراً، وثروة مُهدرة، وكنزاً غير مُكتشف، وما أحوجنا لخارطة تُرشدنا وتقودنا وإيّاهم لجادة الطريق!.