.. حين هاتفته مبديًا رغبتي في محاورته، جمع إلى موافقته وترحابه بالفكرة «تحذيرًا» ضمنيًا بعدم القدرة على احتمال جرأته.. قبلت رهانه، و»نصبت» له شراك الأسئلة بصيغة منتهى الاستفزاز.. فكان كما وعد؛ جريئًا في إجاباته.. وها هو «الأربعاء» على الوعد ينشر إجابات الأدميرال عمرو العامري كما جاءت، ناسفة لتحذيره.. وللقارئ المتعة بالحضور..

موت



مازال توتير مسرحًا للتغريدات في سرعة تداولها.. فلأيّ غاية قيّدتها في كتابك «مزاد على الذكرى».. أليست في هذه الخطوة مغامرة برحلة عكس التيار؟

ذهابي إلى توتر كان لأسبابي الخاصة، كنت بحاجة للبوح والصراخ والكتابة دون تفسيرات، أو شروحات أو التزام نحو أحد بالتبرير.. لم أعلق (وما زلت) على أي قضية.. ولم أتناول أي شأنٍ عام، ولم أنخرط في سجال أو نقاش، فقط كنت أغنّي لنفسي وعبر المئة والأربعين حرفًا، البعض من الأصدقاء رأى أن فيما أكتبه يستحق الحفظ والنشر، ففعلت، وسأدعي أنّي حرضت كثيرين على القيام بعمل مشابه.. مختصر القول كتاب «مزاد على الذكرى» وما كتبته بعده من تغريدات هي الأقرب للروح لأنها صراخي الآني والمباشر، وكل ما كتبته كان وليد اللحظة، لحظة الألم، المؤلم هو أني لم أعد قادرًا الآن على الإتيان بعمل مشابه كما كنت أفعل، وإذا ما سألتني لم؟ سأقول لك إن الملقن مات أو غادر المسرح.

* ماذا تعني بموت الملقن؟

نحن نصرخ بصدق مرتين؛ مرة عندما يدوس أحدهم على قلوبنا، والمرة الثانية عندما يتوقف عن ذلك، وعندما لا يعود الصراخ مجديًا نصرخ بصمت؛ والصمت أبلغ الكلام.

* إذًا أنتَ بحاجة إلى من يدوس على قلبك؟

ولا حتى الجبال الراسيات، ستعجز.

إرباك



الواقع المعاش يفوق الخيال.. فماذا بقي للسرد / الرواية من رهان ليربح دهشة المتلقي؟

صدقت؛ الواقع الآن يفوق كل فنتازيا الخيال، وبتسارع مُرْبك، وهنا يأتي الراوي كشاهد أو مسجل أو ربما مشارك في اللعبة بطريقته الخاصة، وتأتي مكاسبه أو خساراته من قدرته على الاقتراب من الواقع، ومن خلال لغته وصدقه وكسب صداقة القارىء، القارىء العادي غير المتحيز للأحكام المسبقة وتصنيفات النقاد البليدة، بقي للسرد والسارد الكثير من المساحة، ورغم مجانية المعروض من الواقع إلا أنّه بإمكان السارد خلق مساحاته الخاصة به متى ما احترف الصدق، ولكن مساحات الصدق تضيق كل يوم وهذا هو المخيف.

حرية



ماذا تعني بانحسار مساحات الصدق؟

أنا أنظر نحو المبدع كمثقف أولاً، وأحترمه وأقدره كمثقف قبل أن يكون مبدعًا، وحتى يحتفظ بهذا المسمى (مثقف) عليه الاحتفاظ بهامش من الحرية والحياد ليقول أو يكتب رأيه المختلف أحيانًا، غير أنّ هذا غير ممكن الآن، وحيث يعد حتى الصمت خيانة، وأعتقد أن صمت المثقف (خوفًا) خسارة كبرى لأنه يفسح المجال لمتزلفي الحضور والإطراء ومزوري المشهد، وهذا أبدًا لا يخدم لا المشهد الثقافي ولا الحياتي بالمجمل.

نرجسية

* إلى أي درجة استطعت الفكاك من مزالق تلميع الذات وأن تصوغ سيرتك الذاتية في كتابيك «مذكرات ضابط سعودي»، و»ليس للأدميرال من يكاتبه»؟

هذا ما كان على النقاد أو القارىء قوله، أدعي أني حاولت وأعتذرت أيضًا في نهاية السيرة المختصرة إن كنت ودون أن أشعر قد سقطت في فخ الذات، لكن سيرتي لم تقرأ رغم أني ودون تواضع سأدعي أنها أفضل ما كتب في المشهد الثقافي المحلي في مجالها، ولدي شهادات كثيرة من قرّاء بسطاء من الداخل ومن قرّاء كثيرين من البلاد العربية على شكل رسائل خاصة، ولكن من قرأها من النقاد هنا رغم أني أرسلتها للكثيرين من أساتذة الجامعات والنقاد؟ زامر الحي لا يطرب يا صديقي ؟ هل تعرف أن ناديًا أدبيًا سعوديًا عقد ندوة أو مؤتمرًا عن كُتّاب وكتابة السير ولم أُدعَ إليه ولم يطرح كتابي، مما جعل أحد المثقفين يصرخ: كيف يعقد مؤتمر عن كتب وكُتّاب السيرة ولا يدعى عمرو العامري!؟

* ألا تبدو نرجسيًا هنا؟

ربما كانت مشكلتي على الدوام أني أضع نفسي أقل كثيرًا من حيث يجب أن تكون، نعم أنا اليوم نرجسي ومسكون بالبرانويا وهذا من حقي.

أقنعة



صناعة الشخصيات المركبة والمعقدة في جسد الرواية يتطلب مهارة استثنائية ومعرفة موسوعية.. فأي معين لك في ذلك؟

لا أعرف، ربما محصول القراءات الواسعة، ربما محاولة البقاء خارج الشخصية والحياد معها قدر الإمكان وربما هي الموهبة.. وعمومًا كل شخصيات مجتمعنا الآن مركبة ومتداخلة وهذا التعقيد والتركيب فرضته الحياة والواقع وظروف العيش والتي فرضت علينا أن نحيا بشخصيات متعددة ووجوه وأقنعة حتى لم نعد نعرف من نحن .وقد كشف فضاء أدوات التواصل الاجتماعي جزءًا بسيطًا من تناقضاتنا، وعبر الأسماء المزورة.

أزمة

* رواياتك غاصت في الشأن الاجتماعي عميقًا ورغم ذلك لم تخطب ودها منافذ الدراما.. أين العلة؟

لا أعرف، لا أريد توزيع التهم والأدوار غير أن الأعمال الدرامية وحتى شركات الإنتاج الدرامي لدينا ضعيفة ومهاجرة نحو البلدان المجاورة.. ولعل قرب افتتاح دور السينما يلفت انتباه شركات الإنتاج إلى الكثير من الروايات المحلية، والتي غاصت عميقًا في الشأن المحلي وبقيت مجرد روايات على أرفف المكتبات، السماح بافتتاح دور السينما حتمًا سيخلق معه صناعات موازية منها الالتفات إلى الرواية المحلية ومعالجتها دراميًا، أو على الأقل هذا ما نأمله.. ولكن قبل ذلك لا أحد كتب أو يكتب إضاءات عن الكم الكبير من الروايات الصادرة، ما من نقاد في الساحة الآن وحتى تلك الأسماء المتواجدة بقيت داخل أطروحاتها وأسمائها وفوقيتها وشعورها بالأستاذية على لا شيء.. لدينا أزمة كبرى اسمها أزمة الثقافة، وبقاء الثقافة تحت جناح وزارة الإعلام ظلم لها وللوزارة المشغولة في مقامها الأول بالإعلام، ولقد تفاءلنا بإنشاء هيئة الثقافة عندما أعلن عنها غير أننا منذ ذلك الوقت لم نسمع عنها شيئًا.. هل سمع أحد منكم شيئًا عنها!؟

خلاص



الناس محتفون بالذكريات وأنت تبحث عن النسيان.. ما الذي يخيفك في الذكرى ويؤرقك؟

(لم تعد تلزمني الذكريات ما من وقت لاستخدامها) هكذا قلت ذات يوم.. الذكريات تعني المستقبل، وأنا رجل أمضي وأتلفت نحو الخلف إذا ما أردت أن أتلمس الأجمل وهذا ليس تشاؤمًا ولكن الجسد يخون والعمر يخون والطريق يخون وحياة الإنسان شهقة صغير بين فراغين (الغيب الذي جئنا منه والغياب الذي نمضي إليه).. وكيف نحتفي بما لم يعد لنا؟.. ثم من قال إني أبحث عن النسيان؟ ربما السلوان، التداوي من الحنين والإقامة في تخوم اللغة، أنا كائن أقيم في اللغة أو في شاعرية أحلام اليقظة كما يرى غاستون باشلار وحيث الوجود لا يتحقق إلا من حيث اللغة وحيث النزوح من الأنا وفضاء الاستبداد والإقامة في الخيال، الخيال كمحرض على الدوام وكبديل عن واقع مؤلم.. وأنا هنا لا أعني باللغة كمنطوق ولكن من خلال الحالة الشعرية التي تتعالى عن اليومي والمبتذل.

تلميع



استنادًا لكل الملتقيات الأدبية التي حضرتها.. أي قاسم مشترك بينها تضعه في ميزان النقد؟

أنا لا أدعى إلى الملتقيات ولا أحضرها إلا في نطاق ضيق جدًّا، ومن كل العدد الكبير من الملتقيات والندوات لم أدعَ (إلا مرة أو مرتين ولعلاقة شخصية)، وأيضًا لا أسعى إلى المشاركة لأنها في الغالب تخضع لاشتراطات هي أقرب منها نحو الأكاديمية وأبعد ما تكون عن الإبداعية، وغالبًا هي ذات الأسماء التي تدعى، الأسماء الجوعى للكلام ولتلميع الذات.

بلادة



النّقاد منشغلون بمعاظلة المصطلحات.. والكُتّاب سادرون في الإنتاج بدون أدنى شروط الإبداع.. من يضبط هذه الفوضى؟

قلت لك ما من نقاد لدينا، هم موسميون يظهرون في الملتقيات والندوات والدعوات بأوراقهم البليدة ثم لا شيء.. المبدع يجرب ومن حقه ان يجرب ويطرق هذا الفضاء وفي نهاية المطاف القضية تسويقية لا أكثر وليس بالضرورة أن يصل للناس الأفضل.

سرقة



ماذا تعني؟

الزمن زمن نجوم الميديا والواجهات الإعلامية، ومتابعيهم يتخطفون إصدراتهم رغم سطحيتها وتطبع مرات ومرات ومرات، بينما المبدع الحقيقي يطبع ويوزع ويستجدي من يقرأ له، وأنا هنا لا أحاكم أحدًا لكني أوضح الهرم المقلوب وهذا ما تفرضه الحياة المعلوماتية والتي ألغت عامل المكان وحطمت أوهام الأستاذية، ومصطلح الرموز أو الرمز، ما من رموز اليوم، اليوم هناك نجوم الواقع، نجوم السناب وما هو على شاكلته، وعلى المنظرين البقاء في بروجهم العاجية والعالية، فلم يعد يعرف أو يهتم بهم وبما يقولون من أحد.

كارثة



ألا تزال عند قناعتك بأن نهاية المثقفين والمبدعين إما الإفلاس أو التأزيم أو ارتياد العيادات النفسية؟

وأضيف إليها: السجون

* يا ساتر ولم؟

ما لم نقبل ثقافة الاختلاف والحوار ورفع مساحة الشفافية وسقف الحرية؛ فما من بديل سوى الصمت، الجنون، السجن أو العيادات النفسية.

لا أثر



أي أثر للعمل العسكري على كتاباتك أثناء الوظيفة وبعد تقاعدك ؟

لا أعتقد أنّ للعمل العسكري من تأثير على تجربتي الكتابية؛ إلا من خلال منحي ثقافة السفر والاختلاط ومعايشة أجناس وثقافة مختلفة وربما الوعي بالمخاطر وتصارع القوى من حولنا، وهو ما يجعلني قلقًا على الدوام أكثر.

التزام



بيدك ممحاة.. وما كتبت أمامك.. فماذا ستمحو.. ولِم؟

لن أمحو شيئًا.. وأنا على الدوام ملتزم بمواقفي وما أقول وأتحمل تبعاته.