بعد أكثر من سبع سنوات على اندلاع أحداث ما سُمِّي بـ (الربيع العربي)، تقودنا الوقائع اليومية بتطوراتها، والحوادث بتوابعها، والحقائق بتجلياتها، إلى طرح السؤال مجدداً بعد كل ما جرى: هل كان بحق ربيعاً؟! وهل كان بصدق عربياً؟!.

الربيع لا يقتل، ولا يحصد أرواح الأبرياء، بل يطرح زهوراً وألواناً مبهجة لحياة تتجدَّد، وما جرى عندنا قد قتل وشرَّد ملايين ممَّن قيل إن الربيع يستهدف تحريرهم، بل إن هذا الربيع ذاته، مزَّق أوطاناً، كانت موحَّدة، وإن لم تكن قوية، وكانت هادئة، وإن لم تكن هانئة، وكانت باقية، وإن لم تكن راقية. هذا الربيع الكاذب لا يمكن أيضاً أن يكون عربياً، فأغلب ضحاياه هم من العرب، وأكثر من شرَّدهم هم من نساء العرب ومن أطفال العرب، وأغلب من حرمهم مِن التعليم والرعاية الصحية هم من العرب. لا يمكن إذن أن يكون ربيعاً، ولا يمكن أيضاً أن يكون عربياً، ولا يمكن كذلك أن يكون مجرد انفجار عفوي لغضبٍ مكتوم، تراكمت أسبابه وتفاعلت حد الانفجار، وإنما هو تفجير مصنوع بإحكام، استثمر ظروفاً أنتجتها أنظمة عربية كانت عصية على التغيير أو حتى على الإصلاح. اقتصرت مشاركة العرب في استدعاء ما يُسمَّى بالربيع العربي، على إنتاج دواعي التفجير، وإنتاج مبرراته، وتسويغ مآلاته، وبرهنت وقائع هذا التفجير المصنوع، على ضعف المناعة العربية، وعلى عجز العرب عن دفع الأخطار وتقليص الأضرار، وباختصار فإننا رُحنا نُبرهن طول الوقت على جدارتنا بدور الضحية، وعلى استحقاقنا بأن نكون مطمعاً سهلاً في متناول الطامعين. مكامن الغاز تحت الأرض والمياه العربية في سوريا ولبنان ومصر، تُرشِّح هذا الغاز ذاته، سبباً رئيساً للاستهداف، ومسرحاً لا بديل عنه لحروب الجيل الرابع وما بعدها. دخول مصر ولبنان وربما غزة وسوريا في وقتٍ لاحق إلى سوق تصدير الغاز، وضع منطقة شرق المتوسط، في بؤرة الاستهداف، ومهَّد لخارطة جديدة تماماً للثروة، ومثلها للصراع حول هذه الثروة. المصريون الذين قرأوا قبل غيرهم سفر الخروج من الربيع المشبوه، وصلوا في الوقت المناسب تماماً، بعدما تمكَّنوا مبكراً من إفساد مخططات التفجير والتفكيك، واستطاعوا بسرعة نادرة، وبالتفاتة ماكرة، أن يرسموا خرائط ثروات الغاز، باتفاقيات لترسيم حدود المياه الاقتصادية شرقي المتوسط مع قبرص واليونان، وأن يُسابقوا الزمن لاستخراج غاز حقل ظهر، الأكبر على الإطلاق بمياه البحر المتوسط، وبينما كان الصراع يشتعل في سوريا حول مكامن الغاز ومساراته، كان المصريون يستكملون رؤيتهم في التحوُّل إلى أكبر مركز إقليمي في شرق المتوسط لاستكشاف واستخراج ونقل وتسييل وتصدير الغاز الطبيعي لأوروبا.

الاتفاق الذي أعلن عنه بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية مع شركة دولفينوس المصرية لاستيراد الغاز الإسرائيلي من حقلي تامار وليفانثان الإسرائيليين، في صفقة قيمتها خمسة عشر مليار دولار على مدى عشر سنوات، والذي اعتبره نتانياهو عيداً لإسرائيل، علَّق عليه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بقوله: (مصر أحرزت جول كبير جداً)، مشيراً إلى أن مصر هي الدولة الوحيدة شرقي المتوسط التي تمتلك منشآت وقدرات لتسييل ونقل الغاز، (وكان لابد من استثمار ذلك لاستقطاب الغاز اللبناني والقبرصي والإسرائيلي لتسييله في منشآتنا ثم إعادة تصديره). السلوك المصري في صفقة الغاز الإسرائيلي؛ يُؤسِّس لثقافة براجماتية جديدة، تسعى لتحقيق المكاسب وفق قاعدة «اربح ودع غيرك يربح»، بينما تشير حملات إعلامية غاضبة في بعض دول المنطقة (تركيا وقطر وإيران بصفة خاصة) إلى أن الصفقة تعكس حرص الحكومة المصرية على التطبيع مع إسرائيل، التي يبلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين تركيا أكثر من عشرة أضعاف نظيره المصري، فيما تتمتع قطر بعلاقات تعاون عسكري واستخباراتي مع إسرائيل، التي لا تقيم معها علاقات رسمية.

رسمت خطوط أنابيب الغاز مستقبل الأمن الأوروبي قبل قرابة نصف قرن، عقب اتفاق أبرمه فيلي برانت مستشار ألمانيا الغربية آنذاك مع الزعيم السوفييتي ليونييد بريجنيف، فيما عُرف وقتها بصفقة غاز سيبيريا، التي أغضبت الولايات المتحدة، لكن صفقة غاز سيبيريا بقيت، وذهب الاتحاد السوفييتي، بعدما تمكَّنت ألمانيا الغربية من استعادة شطرها الشرقي، وإعادة توحيد ألمانيا، واليوم يبدو الشرق الأوسط مقبلاً على رسم خارطة جديدة، للثروة، وأخرى للقوة.

الغائبون عن المشهد الجاري سيطول بهم الغياب.