بعد مخاض طويل، خرجتُ إلى هذه الحياة مُكتملة، طفلة كالقمر، فرحة أمي العظيمة، ومصدر بهجتها.. أتممت عامي الأول كأي طفلة شقية ضحوكة ومشاغبة.

يوم ٢/٦/١٣٩٩هـ، تبدلت حياتي جذريًا دون قصد! رصاصة طائشة، فقدت على إثرها ذراعي.. مرت الأيام بمرارتها، وتصاعدت الأصوات من حولي؛ كيف لها أن تُكمل حياتها بيد واحدة!

نعم أنا فقدت «بعضي»، لكني بقيت صامدة.. أكملت طفولتي وطيشي وشقاوتي كالسابق، دون أن أُبالي بما يُقال. حين اقترب وقت التحاقي بالصفوف المدرسية، وبإصرار من أسرتي، ارتديت الطرف الصناعي، لكنني لم أتقبله أبدًا.. كنت أشعر أنه لا يشبهني وأنني أفضل بدونه!

مرت الأيام، وإصراري على التخلص من هذا الجسم البارد الميت يتواصل.. وفي المقابل يزداد إصرار أسرتي على بقائه، إلى أن أتى ذلك اليوم الذي استجمعت فيه قِواي وكسرته.. وقتها شعرت بأول انتصار لي، فأنا لم أشعر يومًا بأنه مكمل لي قط! كنت أفضل دائمًا أن أكون بدونه، لكن من يفهم شعوري وقتها!

أكملت المرحلة الابتدائية بسلام، فشعور الطفولة النقي من قبل صديقاتي طغى على أي شعور.. حين وصلت للمرحلة المتوسطة والثانوية بدأت ألاحظ نظرات الشفقة والرحمة.. حقيقةً لم يؤلمني هذا الشعور كثيرًا لأني أستطيع أن أحيا كبقية البشر ولا أحتاج مساعدة، فأنا البنت المساعدة دائمًا لأمي في أعمال المنزل. أفعل كل شيء بنفسي، تارةً بيدي، وتارةً بقدمي.. كنت دائماً أتجاهل مشاعرهم ونظراتهم لي.

في المرحلة الجامعية، وفي بداية التسجيل كانت الصدمة الأولى، حيث قالت لي عميدة الكُلية: «أنتِ من ذوي الاحتياجات الخاصة ومن الصعوبة أن تستطيعي إتمام دراستك وتصبحي معلمة». كاد كلامها أن يكون بِمثابة «القشّة التي قصمت ظهر البعير»! أعترف، لقد خارت قواي.. وما كنت أتجاهله بدا لي واضحًا الآن.. استجمعت قواي، وأصررت على المضي في التقديم، واجتزت المقابلة، والتحقت أخيرًا بالكلية، لكن وجدت نفسي في مجتمع أكبر وأوسع.. حولي أناس جدد، وشخصيات مختلفة، وعقليات متفاوتة.. حاولت الاندماج، وتجاهلت الأمر كثيرًا، لكني لم أحتمل نظراتهم لي، فقررت الانسحاب بسلام.

بعدها قررت البحث عن عمل لأعتمد فيه على نفسي، وأُثبت لمن حولي بأني ما زلت على قيد الأمل، فعملت بالقطاع الخاص إدارية بمدرسة خاصة، واستمررت بالعمل لعدة سنوات، كنت خلالها راضية عن نفسي ولله الحمد.

وكأي فتاة تحلُم بالزواج والاستقرار والأمومة، ارتبطت، وتوج هذا الزواج بطفلي الوحيد وملاكي الطاهر.. قمت برعايته بمفردي، ودون مساعدة من أحد.. ولشغفي الحقيقي بالعمل الحر وإبداعي بالطهي قررت أن أترك مجال الإدارة، بعد عشر سنوات كانت عامرة بالإنجاز.. اتجهت لإنشاء (كافيه) اهتممت بأدق التفاصيل وبلمساتي الخاصة.. والآن هو من أنجح المشاريع بمنطقتي ولله الحمد.

رسالتي الدائمة لذاتي أولاً ثم لكم: إن أُغلِق بوجهي باب، فسأسعى لأن أفتح بابًا غيره، وإن سقطتُ يومًا فسأنهض وأستمر.. لي من اسمي نصيب، أنا «آمال» مزيج من الأماني والطموح والرغبات والرجاء والترقب، وانتظار الغد الواعد والأشياء الجميلة.. وهكذا جاءت سيرة سيدة الأعمال آمال علي الشاوي.. إعاقة أكثر من حياة وحياة أكثر من الإعاقة!.