عندما اندلعت حرائق الثورات في كل من تونس ومصر وليبيا، فيما يسمى بالربيع العربي فضَّل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أن يغادر البلاد ويترك الشعب التونسي يقرر مصيره بنفسه حفاظاً على أمن البلاد، إذا كان الشعب يرى بأن وجوده هو المشكلة، وكذلك فعل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، لكنه فضَّل أن يتنحَّى ويبقى في بلاده، واستطاعت كل من مصر وتونس التغلب على كل ما من شأنه أن يؤدي بالبلاد إلى حربٍ أهلية، لكن الأمر كان مختلفاً في سوريا، حيث فضَّل رئيس النظام السوري معاقبة شعبه بالحديد والنار، وأصر على البقاء مهما كلّف الأمر، بعد أن رأى أنه بدأ يفقد سيطرته على بلاده، فاستدعى قوى روسية وإيرانية وبعض المليشيات للدفاع عنه، لكن الأمور أخذت منحى آخر بعد أن تعقَّدت المسائل، وأصبحت الأراضي السورية شبه مستعمرة، فإيران بَنَتْ لها قواعد عسكرية في ريف دمشق وحمص، وفي غرب سوريا أقامت روسيا قواعدها البحرية والجوية، كما أن القرار السياسي أصبح في يد الدخلاء، هم من يعقد المفاوضات مع جبهات المعارضة السورية، وهم الذين يجلسون في محادثات جنيف نيابة عن رئيس النظام السوري الذي تحول إلى أضعف البيادق في رقعة الشطرنج السورية، إضافةً إلى ما طرأ على الساحة من انقسامات وتقاسم للنفوذ، وبروز مؤشرات تقود إلى تقسيم البلاد، وصفها المبعوث الأممي إلى سوريا (ستيفان ديمستورا) بأنه لم يرَ في السابق دولاً كبرى تتورط بهذا الشكل المباشر كما هو حاصل في سوريا اليوم، فعلى الساحة السورية أيضاً وعلى أرضها تتواجد الولايات المتحدة التي تدعم قوات حماية الشعب الكردي، وهناك قلق روسي من قيام دولة كردية مدعومة أمريكياً، ولا ننسى أيضاً أن هناك قوات تركية توغلت في الأراضي السورية تهاجم الأكراد، وأن كل تلك القوى تحارب الشعب السوري، تهجّرهم من أراضيهم، وتهدم البيوت والمستشفيات وخلَّفت الكثير من الدمار.

وتحت أي انتصار يتحقق، لن يكون بمقدور القيادة السورية أن تعيد الحياة كما كانت في ظل قيادة سورية وطنية، بعد أن رسخ كل واحد من هذه القوى وجوده وأقام حدوده

، فالروس كما هو معلوم وقعوا مع قيادة النظام صك استئجار الأماكن التي بنوا عليها قواعدهم لعشرات العقود، أما الإيرانيون فإنهم في الطريق إلى عقد صفقات جديدة غير التي أبرموها في السابق، وهم يُطالبون من الآن بإعادة التكاليف الإيرانية التي دفعوها في سوريا، واستولوا على مناجم الفوسفات ويقومون بتصديره فعلياً.

والزبدة فإن سوريا أصبحت مستعمرة فعلاً، بعد أن أصدر رئيس النظام السوري صكوك ولايتها لتلك القوى.