الوجُوه فِي مُجتمعنَا السّعودِي؛ تَتعدَّد بتَعدُّد الأَمكِنَة، وتَتلوَّن بتَلوُّن الأَزمِنَة، ومِثل هَذه الظَّاهِرَة لَدينَا تَستحق الدِّرَاسَة، والمُتَابعَة والتَّحليل، وقَد سَبَق أَنْ كَتبتُ قَبل سَنوَات -فِي هَذه الصَّحيفَة- عَن أَنوَاع الوجُوه، تَحت عنوَان: «آخِر حَلَاوة وشَكْشَكَة، مِن وجُوهنَا المُتحرِّكَة»..!

هَذا التَّلوُّن فِي الوجُوه، لَا نَعرفه نَحنُ فَقَط، بَل يُدركه أَي بَاحِث، سَواءٌ كَان مِن العَربيِّين، أَو مِن الغَربيِّين، وفِي ذَلك يَقول الصَّحفي الشَّهير، فِي صَحيفة نَاشيونَال رِيفيو، «ديفيد رايز»: (لَم أَرَ مُجتَمعاً يُقنِّن النِّفَاق، مِثل المُجتَمَع السّعودِي)..!

أَمَّا مِن البَاحثين العَربيّين، فقَد قَال البَاحث الجَاد «عبدالعزيز الخِضر»؛ فِي كِتَابه «السّعوديَّة سِيرَة دَولة ومُجتَمع» صـ41: (حَاولتُ أَنْ أَتفهَّم سَبب الظّهور بأكثَر مِن وَجه، والازدوَاجيَّة التي لَا يَعيشها الفَرد العَادِي فحَسب، وإنَّمَا تَبرُز حَتَّى لَدَى المُثقَّف والعَالِم، والمَسؤول والإعلَامي، عِندَمَا يُمَارس لُغَة ازدوَاجيَّة، بَين قَنَاعته وأَفكَاره الشَّخصيَّة، وبَين الخِطَاب المُعلَن للاستهلَاك الجَماهيري)..!

إلَى أَنْ يَقول الصَّديق «الخِضر»: (مَن لَديه اهتمَام فِي قِرَاءَة هَذه الظَّاهِرَة، سيَلحَظ مِن خِلَال رُؤية استقرَائيَّة، أَثنَاء الاحتكَاك الاجتمَاعي مَع شَرائِح مُختَلفة، حَجم التَّنَاقُض بَين مَا يُظهر للمُجتمع ومَا يَكتبه، وبَين الرُّؤَى والقَنَاعَات الدَّاخليَّة)..!

إنَّ الأفرَاد صَار لَهم عِدَّة وجُوه، وَجه لدَاخِل البِلَاد، ووَجه للسَّفر خَارج المَملكَة، ووَجه للعَمَل، ووَجه للأَصدقَاء، ووَجه للبَيت، ووَجه للجمهُور، ووَجه للمُشَاركات الإعلَاميَّة..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَنْ نُؤكِّد أَنَّ اختلَاف الإنسَان وأَفكَاره؛ مِن مَكانٍ إلَى مَكَان مَقبول، إلَى دَرجةٍ نِسبيَّة، فالإنسَان فِي الحَمَّام، غَيره بَين النَّاس فِي وَسطِ الزِّحَام، ولَكن مِن غَير المَقبُول -فِي هَذا المَقَام- وصُول الاختلَاف إلَى حَدِّ التَّناقُض، بحَيثُ يَتحوَّل الإنسَان (180) دَرجَة مِن حَالةٍ إلَى حَالَة.