قَبْل فَترَة، كَتبتُ نَاصية أَقول فيهَا: «الاستمَاع إلَى الوُعَّاظ، والتَّهَافُت عَلَى المَوَاعِظ، هي مَرحلَة مِن مَرَاحِل نموِّ السّعوديِّين والسّعوديَّات»..!

بَعد أَن كَتبتُ النَّاصية، وَجدتُ أَنَّها أَثَارَت جَدلاً كَبيراً، نَظراً لأنَّها غَير مُكتَملة النّمو، ولَم أَشرحهَا بطَريقةٍ كَافية، تُبيِّن أَبعَادهَا، ولَيس هَذا تَقصيراً مِنِّي، فأَنَا مِن أَطوَل النَّاس أَلسنَة، وأَكثَرهم حرُوفاً، وأَعزّهم وَرقاً وأقلَاماً وحِبراً، ولَكن خَاصيّة «تويتر» تَجعلني مَحصوراً بـ140 حَرفاً، وأَنعِم وأَكرِم بـ»تويتر» الذي يُعلِّمنَا الاختصَار..!

بَعد هَذا دَعونَا نَعود إلَى التَّغريدَة، لنَقول إنَّ كُلّ سعُودي وسعُوديَّة يَمرّون بفَترةٍ مِن الفَترَات، يَنشغلون فِيهَا بالوَعظ ومُتَابعَة الوُعّاظ، والتَّهافُت خَلف مَا قَاله الدَّاعية فٌلان، والدَّاعية عِلاّن، وبَعد أَشهُر مَعدُودَة يُصَاب الإنسَان بالمَلَل، ويَترك هَذا النّوع مِن المُتَابعة، ويَذهب إلَى مُتَابعةٍ أُخرَى..!

ولَو حَاولنَا التَّعرُّف عَلَى السَّبَب؛ الذي يَجعل الوَعظ مَرحلة مِن مَراحِل العُمر فِي السّعوديّة، سنَجد السَّبَب وَاضِحاً، وهو كَثَافة كميَّة الوَعظ، وهَذا العَدَد المَهول مِن الوُعّاظ؛ الذين كُلَّما زَاد وَعظهم، زَادت مَشَاكِل النَّاس، ولَو أَنَّ هَؤلاء الدُّعَاة والوُعَّاظ -الذين نَظنُّ فِي أَكثرهم خَيراً- اتّبعوا المَنهج النَّبوي فِي الوَعظ، لِمَا وَصلنَا إلَى هَذه الحَالَة، لأنَّ النَّبي الكَريم، كَان يَتميَّز فِي دَعوته ومَواعظه بمِيزَتيْن، أَوّلاهما: أَنَّه كَان يَعظ النَّاس، ويَكون أوّلهم فِي تَطبيق المَوعظة، وتَبنّيها والعَمَل بِهَا، فهو -صلّى الله عَليه وبَارك- كَان يُوصي بالتَّبسُّم، ولَا يُرى إلَّا ضَاحِكاً، وكَان يَقول أَيضاً: «خَيركم خَيركم لأَهلهِ، وأَنَا خَيركم لأَهلي»..!

أَمَّا المِيزَة الثَّانية للوَعظ النَّبوي، أَنَّه كَان -صَلَّى الله عَليه وبَارك- مُلمَّاً بخَفَايَا النَّفْس البَشريَّة، التي تَنفر مِن الوَعظ، فلَم يَكن يَعظ فِي كُلِّ زَمَانٍ ومَكَان، بَل كَان يَتحيَّن أَفضَل الأَوقَات، مِثل المَطَر الذي يَتّجه إلَى الأَرض الجَافة، وفِي ذَلك يَقول «عبدالله بن مسعود» -رَضي الله عَنه- أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏-صلَّى الله عليه وسلَّم-: (‏كَانَ ‏يَتخَوَّلُنا بالموْعِظَةِ في الأيَّامِ، كراهِيَةَ السَّآمةِ عليْنا)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي تَذكير النَّاس والوُعّاظ، وأَنَا وأَنتُم بهَذه المَزَايَا النَّبويَّة، لَعلَّنا نَستَفيد مِنهَا، ونَقتَدي بِهَا..!!