كم أُشْفِق على مواطنينا الذين بذلوا عرق جبينهم، وصرفوا ما بين أيديهم وما خلفهم، وما فوقهم وما تحتهم من مدّخرات، على بناء مساكنهم في أحياء جدّة الجديدة الواقعة شمال منطقة أبحر، لأنّ ما قيل لهم قبل سنوات قُبيْل شرائهم لأراضي مساكنهم وبأسعار مرتفعة، عن وجود تخطيط بلدي نموذجي سيتمتّعون به في الأحياء، اتّضح أنه كلام الليل الذي يمحوه النهار!.

بالأمس تجوّلْتُ في هذه الأحياء، ووجدْتُ جُلّ شوارعها ترابية أو أسفلتية متدهورة للغاية مع أرصفتها التي طُمِسَت معالمها، وينقص الأحياء الكثير من أعمدة الإنارة والتشجير وغيرها من الخدمات البلدية الأساسية، فضلاً عن شبكات المياه المُحلّاة والهاتف الثابت وأنظمة الصرف الصحي والمساجد والمستوصفات الصحية!.

كما أُحِيطت الأحياء من الغرب بأسوار عالية لفلل وشاليهات فاخرة مكتملة الخدمات، قد حجبت منظر البحر عنها بشكلٍ كامل، وقد نُصِبت عندها لوحات كُتِبَ عليها «سكن خاص»، ومن الشرق بمطاعم الأسماك المُطِلّة على طريق المدينة، أمّا في قلب الأحياء حيث المواطنون العاديون فكأنّ مساكنهم قابعة في وسط الصحراء الجرداء!.

ولفت نظري وجود العشرات من المكاتب العقارية التي ما زالت تبيع للمواطنين أحلام الأحياء النموذجية الأشبه بالأوهام، وبالمناسبة، يمكن للمكاتب ومن كثرتها تدوين نفسها في موسوعة جينيس العالمية، كأكثر وكالات عقارية في العالم مصفوفة بجانب بعضها ضمن منطقة محدودة المساحة، ويا له من شرف!.

والذي أعجبني فقط في الأحياء، هو تكاتف المواطنين الجيران، واجتهادهم الشخصي لتعويض قصور الجهات الخدمية تجاههم، حتّى أنّهم وبأنفسهم يصونون المساجد الموجودة «القليلة»، ويزرعون المساحات الترابية، ويُنظّفون خارج بيوتهم، فأين الأمانة وأخواتها الجهات الأخرى عن هذه الأحياء ومثلها كثير في جدّة؟! إن كان حال الأحياء الجديدة هكذا فماذا عن القديمة؟! إنّ الجهات تتعامل مع الناس في خدماتها المفترض توفيرها كحقّ أساسي لهم مثل مَن يرميهم في البحر وحدهم ويتمنّى لهم الحظّ، ويا له من تعامل يستحقُّ رادع الحساب!.