سؤال النهضة: كيف.. أم لماذا؟!

اشتعلت منطقة الشرق الأوسط تحت عناوين جاذبة، تتحدث جلها عن حلم النهضة، لكن دماراً حاق بأطرافها وبمناطق في القلب منها، اعتبره بعض من يُحسنون الظن، ثمناً مقبولاً للنهوض، أو مقابلاً موضوعياً للخروج من حال سبات طال مقامه في معظم دول الإقليم، دفعت شعوب المنطقة وما تزال تدفع ثمناً باهظاً للخروج من حال سبات حضاري طال مقامها فيه على مدى قرون، تحوَّلت خلالها إلى مطمع سهل المنال لأمم كانت تعتبرها، مسرحاً للتنافس فيما بينها، أو ساحة مستباحة لتجاربها. تكررت محاولات النهوض في الإقليم على مدى القرنين الماضيين، وتكرر النكوص مراراً، حتى بات السؤال مطروحاً بإلحاح: هل نحن مؤهلون للنهضة بحق، أم أن مقارباتنا لبلوغها لم تكن

صائبة في أي وقت؟!

في تقديري فإن ما جرى من محاولات خائبة أو من تجارب صائبة، لبلوغ غايات النهضة، لم يتجاوز حدود التجربة، ولم يمتلك في أي وقت مقومات الاستمرارية والتواصل، بسبب إصرارنا في كل مرة على محاكاة نماذج حضارية نجحت في بيئاتها، وأخفقت محاولات استنباتها أو استزراعها في بيئاتنا التي لم تتخلص بعد من إرث عصر الإقطاع. فنحن نقلد، ولا نرهق النفس بمحاولة الابتكار، ونحن نتوقع طول الوقت أن نحقق ما حققته ألمانيا واليابان وبريطانيا في الاقتصاد والصناعة والتجارة، دون أن نحقق منجزاً حقيقياً واحداً في التعليم والبحث العلمي

أو حتى في الفنون والآداب.

نحن مشغولون في سعينا للنهضة، بامتلاك المعرفة، أو ما يُطلق عليه الـ know how، دون أدنى سعي من جانبنا لامتلاك الثقافة أو ما يطلق عليه الـ know why

.

الذين يمتلكون المعرفة، يمكنهم فقط المحاكاة والتقليد، والذين يمتلكون الثقافة يمكنهم دوماً إنتاج معارف جديدة، وبلوغ منصات انطلاق حضاري نحو آفاق جديدة لم يرتادها سواهم. يطرح الكثيرون بيننا سؤالاً مشروعاً: لماذا ينجح علماؤنا في الخارج فيُبدعون ويبتكرون، ولماذا يخفق نفس العلماء في تحقيق ذات المنجزات في بيئاتهم الأصلية؟.. لماذا ينجح عالم مصري مثل أحمد زويل في اختراع زمن جديد للإنسانية أسماه الفيمتو ثانية في الولايات المتحدة، ولا ينجح زملاؤه المصريون وفيهم متفوقون من ذوي القدرات المتميزة في تحقيق إنجاز مماثل بأوطانهم؟.. لماذا ينجح عالم مصري مثل الدكتور حاتم زغلول في ابتكار تطبيقات الواي فاي، بعد ست سنوات فقط من وصوله إلى كندا، ويخفق زملاؤه في تحقيق إنجاز مماثل؟!. إنها البيئة الحاضنة أيها السادة. عندنا بيئة الاستسهال التي تجعل بَعضنا يُروِّج لمقولة: إن الله سخر لنا الغرب ليبدع من أجلنا، ويحلو لبعضهم الاتكاء في ذلك على نص قرآني مثل: (سبحان الذي سخر لنا هذا).. هذا الفكر يرى مَن يُروّجون له، أن الله أعفانا من مشقة البحث والاجتهاد والابتكار والإبداع، وترك الآخرون يشقون من أجل أن نتقلب نحن في نعيم علوم ابتكروها،

وتقنيات أبدعوها!!

أي محاولة للنهوض، ينبغي أن تبدأ من منطقة الثقافة، وأي محاولة لتقديم إسهام حضاري عربي حقيقي ينبغي أن تبدأ من محاولة الإجابة عن السؤال: لماذا؟.. قبل أي محاولة للإجابة عن السؤال: كيف؟. محاولات النهوض انطلاقاً من الثقافة، ينبغي أن تبدأ بدورها بتحرير العقل، الذي يتطلب بدوره إنتاج بيئة حاضنة للإبداع، بيئة تُقدِّس حرية الاختيار، وتقيم لها مؤسسات الحماية والاحتضان، بيئة تحتفي بالمبدعين، فلا تطاردهم، ولا تُروّعهم، بيئة تتعاظم فيها عوائد الإبداع والابتكار والاختراع، بيئة ينهض فيها اقتصاد المعرفة، وتتزايد حصته في الناتج الإجمالي للأوطان. هذه البيئة تحتاج أول ما تحتاج، إلى نظام أساسي، الإنسان هو غاية النهضة فيه، ومعرفته هي أداته الرئيسة. بدون توفير بيئة ثقافية وسياسية وعلمية تحتفي بالإنسان وبحريته في التفكير والإبداع والتجديد، تتحول تجاربنا النهضوية إلى مجرد تجارب، لا تتحقق لها الاستمرارية ولا يتوفر لها

التواصل.

الثقافة هي الأصل في كل مشروعات النهضة، وهي الأساس لكل نموذج ينشد إثراء الحضارة الإنسانية، ويمتلك مفاتيح القوة. الإنسان لا الثروة هو أصل الحضارة وهو أداة النهضة المستدامة وغايتها، والإجابة عن السؤال: لماذا؟ هي الأساس قبل أي محاولة للإجابة عن السؤال: كيف؟!.