خرجتُ إلى هذه الدنيا دون أن تتعالى صرخاتي، فقد وُلدتُ صمَّاء. لم أسمع دعوات أمي لي، ولا همسات الناس حولي، لكن وهبني الله عائلة سَعَت من أجلي، وآمنت بقدراتي.

ابتدأتُ مسيرتي في خضم هذه الحياة ما بين موعد مستشفى ومتابعة مركز. وفي يوم 11/9/1994م تمّت عملية زراعة القوقعة. لم تكن سهلة، لكنها ليست بتلك الصعوبة التي تمنعني من أملي الوحيد. هي «قرار» لبدايةٍ أجمل بإذن الله، وأشكر عائلتي على هذا القرار.

تمَّت بحمد الهم، وزُرعت القوقعة في الأذن اليمنى، وبعدها استمررتُ بمراجعات لضبط تردُّدات القوقعة والسمَّاعة الخارجية. وبعدها استمرَّت رحلتي مع جلسات التأهيل قرابة سنة أو أكثر.

دقَّت أجراس الساعة، معلنة قرب التحاقي بالصفوف المدرسية. التحقتُ بمركز سعد الصانع بالخبر لدراسة المرحلة الابتدائية والتأهيل اللغوي. وفي الصف الرابع الابتدائي تقرَّر دمجي مع الطالبات السليمات. أكملتُ مسيرتي بالتعليم، دون توقُّف أو ضجر. أكملتُ الابتدائية والمتوسطة في منطقة الخفجي. بعدها انتقلتُ إلى منطقة حائل، وأكملتُ المرحلة الثانوية.

طيلة هذه السنوات، لم أستخدم لغة الإشارة، بل كنتُ أُصر على التواصل بالكلام. بعدها التحقتُ بجامعة حائل، إلا أن تجربتي بالدراسة الجامعية لا تخلو من الصعوبات والتحديات، لكونها على نطاقٍ أوسع، ومكانٍ أرحب، وأشخاصٍ أكثر، وعلاقاتٍ أكبر.

قد يكون التحدي الأكبر هو «طريقة التواصل»، سواءً مع زميلاتي اللاتي يعتمد أغلبهن على لغة الإشارة بشكلٍ أساسي، أو مع الأستاذات اللاتي لا تُتقن أكثرهن لغة الإشارة. لذا أخذتُ على عاتقي أن أكون حلقة الوصل بين زميلاتي وأستاذاتي. درستُ واجتهدتُ، وتَحقَّق، ولله الفضل والمنّة، حُلمي الكبير، وتخرَّجتُ من جامعة حائل بدرجة البكالوريوس في التربية الخاصة مسار الإعاقة السمعية، وأنتظر بشغف أن أُصبح مُعلمة لأخدم الصُّم، لكونهم جزءاً من عالمي، وأسعى للمزيد من العلم والمعرفة، راجية من الله التوفيق.

وحيثُ لا مجال لدي لليأس وإضاعة الوقت، قررتُ البدء بمشروع (الطبخ المنزلي). فلدي -كما يُقال- ذوقٌ عالٍ بالطبخ والإبداع فيه منذ الصّغر. بدأتُ واجتهدتُ ولاقيتُ الاستحسان الكبير والإعجاب من كثيرٍ من الناس، ومازلتُ أُقدِّم لزبائني أرقى الأصناف وألذّها وهُم مستمرون بدعمي وتشجيعي.

ما أود أن أختم به، هو أنه لا شيء يُعيق الإبداع والتميُّز، ولئن أُغلق باب فسيُفتح غيره، والإصرار على النجاح هو الوقود للتميُّز. حلم المستقبل الذي لن أملّ انتظاره، هو أن أصبح معلمة لفئة الصُّم، لكوني صمّاء ناطقة ولديَّ خبرة، ولله الحمد.

تلك كانت حكاية أنفال الشمّري، وهي صوت حتماً لا يليق به الصمت.