تناقلت وسائل الإعلام المختلفة صدور القرارات الملكية الموفقة، والتي تصبّ في خدمة الوطن والمواطن، إضافة إلى التأهيل والمضي بسياسات الدولة نحو آفاق علمية ومعرفية جديدة، تتناسب مع رؤية 2030. وكان من بين هذه القرارات إعادة تشكيل مجلس إدارة مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، برئاسة الزميل الكريم الدكتور عبدالعزيز السبيّل.

ولابد لي أن أنصف هذه الشخصية العلمية، بغير محاباة أو تزلّف، فلقد عرفته زميلاً نشطًا في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الملك عبدالعزيز، وترأس أيضًا قسم اللغة العربية في فترة قلقة، ولعله آثر ترك المنصب حفاظًا على صِلاته بزملائه على اختلاف مشاربهم الفكرية.

ولعل السمة التي تطبع شخصيته هي تهذيبه وانفتاحه على الآخرين، وأزعم أني عرفت والده عن قرب عندما كان إمامًا وخطيبًا للحرم المكي الشريف، ومسؤولاً عن رئاسة الحرمين الشريفين، فلقد كان فضيلة الشيخ السبيّل - رحمه الله - يعطي جميع الشخصيات العلمية حقّها من التقدير والاحترام والمكانة العلمية. ولعل عزيزنا الدكتور عبدالعزيز قد ورث جملة من هذه الصفات الحميدة، كما ورث صديقنا فضيلة الشيخ صالح بن حميد عن والده الكثير من المآثر، التي أتيت على ذكرها في مناسبات مختلفة.

أذكر أنه عند إنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني قبل أكثر من عقد من الزمن، امتازت جلساته الأولى بكثير من الزخم، وقد شارك العبد الفقير إلى الله في الجلسة الثالثة من الحوار، وكان موضوعها المرأة؛ ولعلّ كثيرًا ممّا دار عليه الصخب آنذاك قد تحقق الآن في عهد الملك سلمان، فقد كان حلمًا يراود المرأة في بلادنا، التي - مع هذا الانفتاح - نجدها محافظة على تعاليم دينها وعفتها وحصانتها.

إلا أنني أحاول في هذه الكلمة وفي هذه السطور المتواضعة أن أشير إلى بعض المواضيع التي كثيرًا ما ننأى عن الإشارة إليها، على أن السكوت عنها قد يتسبب في كثير من التداعيات السلبية، وأوّل هذه الأشياء وعلى رأس قمّتها يأتي موضوع ترسيخ حبّ الوطن في نفوس الأجيال الصاعدة، وللأسف الشديد إن العديد من الشخصيات العلمية التي فتحنا لها الأبواب في بلادنا، وتنتسب إلى جماعات الإسلام السياسي قد عملت على إضعاف هذه العاطفة، وهذا الولاء، بذريعة أنّ حبّ الوطن يتضاد مع الإيمان، مع أنه مكمل له. وما شاهدناه من توجّه بعض الشباب إلى مرجعيات دينية خارجية سببه ما وقر في عقول هؤلاء الناشئة من أنّ الولاء يجب أن يكون للفكرة والتوجه الأيديولوجي أولاً، وما يتبع ذلك من نسف لفكرة الوطن، والانتماء له، والولاء له، وقد انطوى على هذا التوجّه نزوع هؤلاء الناشئة نحو الخروج على الحكام، ورميهم بالكفر والفسوق، وكذلك المجتمع، وكانت المحصلة من كلّ ذلك فشو نمط من الفكر المتشدد.. ولهذا فنحن بحاجة إلى تتبع مصادر ما عرف بـ»المنهج الخفي»، لأنّ مناهجنا بعيدة عن قضايا التكفير وسواه، ممّا يؤكد أنّ الفكر المتطرف قادم مما عرف بـ»تيارات الإسلام السياسي»..

إنني على كامل الثقة من استشعار مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني لماهية التحديات الآنية، وما اختيار الدكتور عبدالعزيز السبيّل لرئاسته في هذه المرحلة إلا دليل على هذا الإدراك الواعي لحجم التحديات، وإنها لمسؤولية كبيرة وجسيمة، أثق كل الثقة في قدرة عزيزنا الدكتور عبدالعزيز على تحمّلها، فهو من حملة لواء الوسطية، والمدرك علمًا ووراثة لخطر الفكر المتشدد، والغلو والتطرف، وهو من الذين يسعون إلى توطين مفهوم حرمة دماء القبلة في فكره وعقيدته.

والله ولي التوفيق.