الفَلْسَفَة فَنّ المُجتَمعَات الأُوروبيَّة، لأنَّ تِلك المُجتمعَات تَتحرَّك فِي أَرض الحُريَّة، حُريّة الاعتِقَاد، وحُريّة النَّظرَة، وحُريّة تَشكيل المَواقِف تِجَاه الكَون والمَصير والمَآل..!

هَذا مَا يَخصُّ الغَرب، أَمَّا مَا يَخصُّ العَرَب، فإنَّ الفَلسَفَة لَديهم شَحيحَة، ويَبدو أَنَّ ذَلك يَرجع إلَى سَببين، أَوّلهمَا أَنَّ الوُعَّاظ والدُّعَاة -عَبر التَّاريخ- فِي بِلَاد بَني يَعرب، كَانوا يُحذِّرون مِن الفَلسَفَة، أَو الاقترَاب مِن مَيَادينهَا، وبِمَا أَنَّ عِلْم المَنطِق إحدى وَسَائِل الفَلسَفَة، فكُلّ طُلاّب العِلْم، يَحفَظون تِلك العِبَارَة الشَّهيرَة التي تَقول: (مَن تَمَنْطَق فقَد تَزَنْدَق)..!

أمَّا السَّبب فِي فَقْر الفَلسَفَة، وشُحُّها وضمُورهَا فِي العَالَم العَربي، فيَرجع إلَى النَّقص الوَاضِح فِي أُوكسجين الحُريّة، هَذا الأُوكسجين القَليل، الذي لَا يَكفي لأنْ يَقول الإنسَان مَا يَعتَقد، تِجَاه الكَون والمَصير..!

وكُنتُ أَعتَقد أَنَّني الفَيلسُوف الوَحيد؛ الذي تَوصّل إلَى هَذه الرُّؤيَة، ولَكنَّني وأَنَا مُنغَمس فِي قِرَاءَة كِتَاب: «مَعنَى الكَلَام»، للأَديب الرَّاحِل «أنيس منصور»، الذي دَرس الفَلسَفَة ودَرّسهَا، وأَفنَى عُمره فِي طَلبهَا، وَجدتُه يَقول: (تَستَطيع أَنْ تَقول وأَنتَ آمِن ومُطمئن، أنَّه لَيس لَدينَا فِي تَاريخنَا فَيلسُوف وَاحِد، وإنَّما لَدينَا مُفكِّرون مُتفَلْسِفُون.. أَو أَنَّ لَهُم اجتهَادَات فِي بَعض النَّظريَّات.. لِمَاذَا؟، لأنَّ هُنَاك شرُوطاً كَبيرة، لكَي يَكون أَي إنسَان فَيلسُوفاً؛ يَستَحق هَذه الصِّفَة الفَريدَة، وهَذه الشرُوط هي: أَنْ يَكون قَد وَجَد تَفسيراً مُبتكراً لعَدَدٍ مِن القَضَايَا التَّقليديَّة: الحَيَاة والمَوت، والقِيَم الأَخلَاقيَّة، والقِيَم الجَمَاليَّة... إلخ)!

ومِن الغَريب أَنَّ الدّكتور «طه حسين»؛ عِندَما انتهَى مِن مُنَاقشة تِلميذه «عبدالرحمن بدوي»، الذي كَتَبَ رِسَالَة الدّكتوراه فِي الفَلسَفَة، قَال بأنَّ «عبدالرحمن بدوي» أَوّل فَيلسوف مِصري، فغَضِبَ «أنيس منصور»، وقَال عِبَارته المَشهُورة: (إنَّه عَطَاء مَن لَا يَملك لمَن لَا يَستَحق)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَنْ أُذكِّر بأنَّنا حَقَّرنا الفَلسَفَة، فأَصبَحنَا نَقول لكُلِّ شَخصٍ؛ يَتحدَّث فِي شَيء غَير مُفيد: «لَا تَتفلْسَف»..!!