حتى الآن، لم يصدر أي رد فعل على أطروحة وزير الشؤون الإسلامية السعودي «صالح آل الشيخ»، التي ألقاها أمام طلاب جامعة الملك عبدالعزيز، وتضمنت مكاشفة رائعة لموقف «الليبراليين الجدد»، الذين يُروِّجون لمصطلح التنوير، ليدعموا تفسيراً جديداً للوسطية والاعتدال!. والحق عندي أن إضاءات «صالح آل الشيخ»؛ إنما تصلح للتعميم على معسكر التنوير العربي الجديد من المحيط إلى الخليج! ومن الواضح أن أحداً من هؤلاء لن يرد ولن يصد، لاعتباراتٍ كثيرة ليس من بينها أن المكاشف الصريح يتقلد منصباً وزارياً معتبراً. لقد جاءت مكاشفة «آل الشيخ» أشبه بتشخيص علمي وفِكري دقيق للحالة، التي ما كان ينبغي السكوت عنها، وما أكثر مَن سكتوا في المنطقة العربية التي تتعرَّض لرياح عاتية تستهدف اقتلاع التراث العريق لأمة، وصفها الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من خلفه أو بين يديه بأنها «خير أمة أخرجت للناس»، وفي ذلك يقول الوزير الصالح: إن استفادة الفكر الليبرالي والعلماني من فكرة الاعتدال بل ونسبها إليه أمر مرفوض. إن الاعتدال والوسطية هما سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. إذا قلنا إن الاعتدال هو ما يريدونه، فمعنى ذلك أن الرسول وصحابته لم يقوموا على الاعتدال، وهذا يتضمن اتهاماً. هناك حيلة من الليبراليين، بحيثُ يُريدون ترويج المصطلح ليدعموا تفسيراً جديداً للوسطية والاعتدال.

الاعتدال حكم شرعي وليس وليد اليوم، وهو موجود في القرآن والسنة، وليس مصطلحاً جديداً.

هكذا مضى الوزير «آل الشيخ» مُشرِّحاً ومُحلِّلا قبل أن يصل إلى الحقيقة الجلية، وهي أن هناك معركة زائفة بين الاعتدال والعلمانيين، ومعركة زائفة بين الاعتدال والليبراليين، مؤكداً أن لدينا في الإسلام مصطلحاً كبيراً اسمه التجديد.. تجديد الدين بما يثبت أساسيات الدين لدى الناس، «لكنهم فهموا الإسلام بطريقة والحياة بطريقة، ويُقدِّمون الحياة على الدين، وعندنا هنا خلاف في المنهج، إذ لا يمكن للاعتدال أو الوسطية أن تكون خادمة للعلمانيين والليبراليين، وكونها خدمت الانفتاح فهذا شىء آخر، وهذا مقبول، ما يُسمَّى عند بعض الناس التغيير للجيل الجديد». لقد أعادتني محاضرة «آل الشيخ» لأطروحة المُفكِّر المصري «جلال أمين»، وما أورده عن البطة القبيحة التي هي في الأصل بجعة جميلة، وعن كارثة الشعور بالعار. وفي ذلك يقول «أمين» بعد زيارته الأخيرة لأوربا وأمريكا: لقد تأكد لي أن المسألة ليست مسألة تقدم وتخلف بل شيء آخر! إنه الشعور الكاذب بالعار! فأنت لست متخلفاً إلا بقدر شعورك بالعار إزاء هؤلاء الذين يُسمّون أنفسهم «متقدمين»! وسوف تظل متخلفاً، مهما زاد متوسط دخلك، وارتفع معدل نموك، وزاد ما في حوزتك من سلع وخدمات، طالما أنك تشعر بالعار لأنك لا تملك ما يملكونه!

ويضيف: كان إدراكي لهذه الحقيقة اكتشافاً حقيقياً بالنسبة لي يُشبه اكتشاف البطة المسكينة في قصة هانس كريستيان أندرسون الشهيرة.. إنها ليست في الحقيقة بطة قبيحة، بل بجعة صغيرة جميلة، ومن ثم زال عنها الشعور بالعار ولم تعد متخلفة!. ولعل من أجمل ما ذكره «جلال أمين» في هذا الإطار، الذي يترجم عندي سر انفعال الوزير «آل الشيخ»، هو أنه إذا استمررنا في أن نُسمِّي أنفسنا متخلفين، ونُحدِّد هدفنا بأنه اللحاق بمستوى المعيشة في الغرب، ستكون النتيجة الحتمية أننا بعد 50 سنة أخرى من «التنوير» سيكون لدينا مطاعم فاخرة أكثر، ودور سينما ومسرح أكثر، وبلوجينز أكثر، وأفلام أكشن أكثر، وستكون المرأة العربية مساوية أو متساوية مع الرجل في تحقيق نفس الكميات من المطاعم ودور السينما والبلوجينز!!

هكذا وفيما يشبه الصدمة يقول «جلال أمين»: إن شعار «التنمية» عند هؤلاء، مثل شعار «التنوير»، اسم جميل يطلق على عمل قبيح، كما أن ما يُسمَّى تنويراً عندنا هو في حقيقته مسخ لشخصية الأمة وعبث بتراثها، وتضحية بلا مقابل، بأغلى وأعز ما فيها! إن ما يُسمَّى «تنمية» عند هؤلاء هو في الأساس تغريب لأنماط الإنتاج وأنماط الاستهلاك، وتضحية بلا مقابل بالرفاهية الإنسانية الحقيقية، والتي هي أوسع بكثير من منتجات الغرب وأنماط استهلاكه وعلاقاته الاقتصادية والاجتماعية.

باختصار، أخشى والحال كذلك، وامتداداً لنهج «الحيلة»، أن يواصل التنويريون الجدد مهامهم التاريخية في تشويه تراث الأمة، والترويج لأفكار ومفاهيم هجين، واستغلال الشعار الجميل في تكريس مفاهيم رديئة لا علاقة لها بالتقدم ولا بالتنمية ولا بالتنوير من قبيل: «الحجاب المعطل»، و»الأذان المُشوّش»، و»التطبيع الحتمي»، و»العري الواجب»، و»الرقص اللازم»، و»احترام المثليين»، «وحرية الإلحاد»، وصولاً إلى ضرورة «إبعاد الدين».. وتحية للصالح آل الشيخ، ولجلال أمين ولكل المتصدين لـ»التنوير الزائف».