• المطّلع على تقرير الدول الـ 20 الأكثر أمناً غذائياً في العالم للعام 2017، لابد أنه صُدم بوجود (إسرائيل) ضمن القائمة، وعدم وجود أي دولة عربية بالمقابل!، وإذا ما تجاهلنا المُبرِّر السخيف الذي ساقه الرئيس الأمريكي الأسبق (هاري ترومان) للوفود العربية التي احتجت في العام 1947م على غرس الدول الغربية ومنها بلاده للكيان الصهيوني داخل منطقتهم العربية، حين برَّر ذلك برغبتهم في قيام العلماء اليهود بتطوير مصادر المياه في المنطقة، وهو عذر سخيف لا يُبرِّر اغتصاب أرض وتهجير أهلها، إذا تجاوزنا هذا، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح ويُناقش بالفعل هو: لماذا تواجدت إسرائيل ضمن الدول الأكثر أمناً غذائياً، رغم وجودها في نفس البيئة التي تتواجد فيها الدول العربية؟ ولماذا لم نشاهد في القائمة دولة عربية واحدة سواء كانت غنية أم غير غنية؟!.

• قد تكون الإجابة الأكثر تبادراً للذهن هي: التعليم.. وهذا صحيح، فمن المعروف أن إسرائيل من أكثر دول العالم إنفاقاً على التعليم والبحث العلمي.. لكن هذه الإجابة تقودنا لسؤالٍ أعمق: ولماذا تهتم إسرائيل بالعلم والتعليم كل هذا الاهتمام؟ ولماذا تبحث في الأمن المائي والغذائي تحديداً؟!. الجواب: لأنها مسألة وجودية بالنسبة لهم.. فعندما أعلنت العصابات اليهودية قيام دولتهم في العام 1947 لم يكن مُرحَّباً بها في المنطقة على الإطلاق، وما زالت إسرائيل حتى اليوم تشعر بتهديد وجودي كبير على جميع الأصعدة، العسكرية والغذائية والمائية، مما أوجد لديهم دافعية قوية للتشبّث والبقاء، ولم يجدوا أفضل من طريق التعليم والبحث العلمي، للتفوق والتميز.

• التهديد الوجودي هو أقوى الدوافع البشرية للإتقان وتجويد العمل..على عكس الشعور بالاطمئنان، والارتهان لفِكر الأغلبية، وكمّ الفرص المتاحة، وهذا ما يمكن ملاحظته بسهولة عند جميع الأقليات وفي كل المجتمعات تقريباً. هل لاحظت دافعية أبناء بعض الوافدين الذين يدرسون في مدارس الخليج، وحُبهم للتفوَّق والتميُّز وتكوين ذواتهم، مقابل ما يُظهره معظم أبنائنا من تكاسل اعتماداً على مواطنتهم وكمية الفرص المتاحة لهم؟!.

• الدافعية هي أكبر ضحايا النفط في المجتمعات الخليجية، فلا شيء غيّر في العقلية الخليجية والسعودية تحديداً مثلما فعلت طفرة السبعينيات التي حوّلتنا من مجتمعات جدّية ومنتجة ومتناغمة مع بيئتها إلى مجتمعات كسولة ومستهلكة -حتى لا أقول مستهترة- تبحث عن المتعة والراحة والإجازات أكثر من بحثها عن الإنجاز والتميز وإثبات الذات.

• الأوطان لا يرفعها إلا أصحاب الهمم العالية.. وبناء الإنسان الطموح والواعي بكل التحديات من حوله هي المهمة الأصعب لكل حكومات العالم، وهذا ما يجب أن تعمل عليه كل وزارات البناء والتكوين في بلادنا.