عندما تلقيت الدعوة من الصديقة، الأديبة والكاتبة الصحفية هالة فهمي لحضور أمسية شعرية لشاعر سعودي على المسرح الصغير في دار الأوبرا المصرية، لم أكن بكامل الحماس والرغبة لحضور أمسية شعرية، لشاعر لم أسمع اسمه يتردد ضمن جهابذة الشعر في وطني، لكني مغرمة بفعاليات الأوبرا، ولأني أثق في جودة فعالياتها، فعلاقتي بالمسرح الصغير قديمة ووثيقة حيث حضرت فيه عروضاً سينمائية لأفلام روائية قصيرة بحضور جمع كبير من النقاد والفنانين المصريين وفعاليات أخرى لازالت عالقة في ذهني، ربما دعوة هالة والمسرح الصغير كانا أكثر تحريضاً من اسم الشاعر رغم أنه سعودي.

فوجئت بامتلاء القاعة، وأنا أنتظر في المقعد، وشعور بالرهبة يراودني، من أن يكون الشاعر أقل من المكان والحضور، لأنه يشاركني الهوية والوطن، ولكنه لم يترك للرهبة مكاناً منذ اعتلى المسرح وبدأ بالتحية، وإلقاء أول قصيدة، شعرت أن قامتي تطاولت، وأن الشاعر قامة سامقة من القامات الشعرية السعودية ولم يأخذ حقه من الاهتمام والشهرة في وطنه، فقيض الله له احتفالية كبرى تليق بمكانته الأدبية والإنسانية، وحضوراً كبيراً وعظيماً استقبله بإعجاب وإكبار ورفع أكفه تصفيقاً وصوته اعجاباً وطرباً بجمال الشعر والإلقاء وتنوع موضوعات القصائد وروعة مقدماتها.

بداية الأمسية أعلن الشاعر أنه سيلقي ثماني عشرة قصيدة، خفتُ أن يصاب الحضور بالملل وينفض شيئاً فشيئاً، لكن لم نشعر ونحن ننصت له إلا بالرغبة في الاستزادة، وعندما انتهى تدفق الحضور وقت الاستراحة للسلام والتعرف عليه عن قرب، لم نكن نعلم أن لدى الشاعر قصيدة أعمق وأجمل من كل القصائد، كانت مخبأة داخل روحه المتوهجة، أرست معنى إنسانياً بل درساً أخلاقياً ودينياً عظيماً للجموع التي عادت للقاعة بعد الاستراحة لحضور تكريم الشاعر من الجهات الراعية للأمسية الاستثنائية لأول شاعر خليجي يحيي أمسية شعرية بالشعر الفصيح: وزارة الثقافة المصرية، محافظة القاهرة، ودار الأوبرا المصرية، تنظيم مؤسسة نبراس السلام للتنمية، مساء السبت 17 فبراير 2018م.

قدم الدرع لوالدته، في الصف الأول، اندفع هابطاً من المسرح فما كان منها إلا الوقوف وهو يشير بيديه لها ألا تقف، وعندما اقترب منها انكفأ على قدميها يقبلهما بثوبه وبشته، وقف الحضور بالكامل يشاهد ذلك المشهد الإنساني الذي أصبح نادراً في مثل هذه المناسبات الثقافية والأدبية.

الشاعر حسان الطيار استطاع أن يمثل الأدب السعودي وأن يكون سفيراً للشعر وللإنسانية بتلك اللفتة العظيمة وبتنوع موضوعات قصيده، وبالعنوان « سرب أوطان « افتتح أمسيته بقصيدة « أهيم بعشقي» مديحاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا فرحة للروح يانوراً لها

والله زانك شامخاً زكاك

قصيدة بلاد الحرمين الشريفين، فخر ومديح بالمملكة العربية السعودية:

أقول الشعر لا أخشى الملاما

وأصدع ثائراً أسداً حساما

أكيل بحد سيفي من تخطى

حدود اللفظ أو ساء احتراما

مصر الأمة، أول قصيدة تجمع 62 شخصية مصرية في قصيدة واحدة، الشموخ، مديح في دول التحالف الرباعي، أمي نور الفاتنات، توأمة الروح مديح وثناء بالأخت، وبيان عظمة منزلتها وعلو مكانتها. قصيدة داعش سنام الكفر، اعتذار وثناء لزوجته، وغيرها من القصائد الوطنية والغزلية والوصفية.

ربما يقول قائل، لا تحملي جهلك على كاهل وطن، صحيح الوطن ليس مسؤولاً عن جهلي، ولا عن تجاهل المؤسسات والمهرجانات الأدبية والثقافية، فكما هي مسؤولية الكاتب التعرف على قامات وطنه في كل مجال، كذلك على المسؤولين عن النشاط الثقافي والأدبي فتح باب المشاركة للجميع وألا يقتصرالأمر على محيطهم الصغير،ومصالحهم الشخصية.

القامات السامقة لا تنثني ولا تتكسر طلباً للدعوات أو المشاركات، تسمو بذاتها كسمو إبداعها.