التراث بحسب الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) هو «خلاصة ما خلَّفَتْهُ (ورَّثَتْهُ) الأجيال السالفة للأجيال الحالية» سواءً الفكري منه أو المادي. ويُعد التراث من الكنوز التي تُعنى بها الدول وتعمل على فك ألغازها -كالتحنيط مثلاً- للخروج بنتائج دقيقة ومن ثَمَّ الانطلاق من تلك النتائج لما هو أجدى وأنفع للمستقبَل. التفاوت في التعاطي مع التراث يأخذ أشكالاً متعددة؛ ففي الوقت الذي يتجه فيه الغَرْبُ للإفادة من التراث الفكري كالفلسفة مثلاً، وللإفادة من التراث المادي عن طريق معرفة أسرار بعض الصناعات القديمة والآثار والنقوش ثُم العمل على تطويرها والإفادة منها، نجد العَرَبَ شُغِلوا كثيرًا بالتراث المادي على حساب التراث الفكري، لكنهم لما أن شُغِلوا بالتراث المادي لم يُشغَلوا بمعرفة أسراره وفك ألغازه وتطويره أُسوةً بالغرب، وإنما شُغِلوا فقط بطرائق الاقتناء والحِفظ له، وخاصة التراث (الحِرَفي) كأدوات الزراعة والأكل والشرب، وشُغِلوا بمحاكاة التراث المتعلق (بالفنون) كالرقص وأشكاله والغناء وألوانه فتلقَّوْها (الحِرَف والفنون وغيرها) كما هي دون تساؤل أو تمحيص أو تفكيك. وحينما نتجاوز اهتمامات العرب بالتراث وعنايتهم به في جانبَيه (الحرفي والفني) إلى اهتمامهم بالتراث في جانبه الفكري نجد التنازع بينهم حاصلاً على العتبة التاريخية التي يمكن النزول عندها والإفادة من تراثها الفكري والتعاطي معه، مع أن مفهوم التراث يشمل الفترات الماضية كلها والأجيال السالفة جميعها. على إثر ذلك تشكل الصراع -في صُوَره الفردية والمذهبية والتيارية- حول العتبة التاريخية التي ينبغي أن نتوقف عندها ونستقي منها تراثنا بعمومه، فَلِعَتبة ما قبل الإسلام مريدون، ولعتبة صدر الإسلام مريدون، ولعتبة عصور الانحطاط مريدون، وللعتبة القريبة زمنيًّا مريدون، في المقابل نجد الغرب لم يأنف من العودة للوراء -مرورًا بعتباته التاريخية جميعها- فنراه يستلهم مبادئ التنوير الذي مضى عليه ما يزيد على قرنَين، بل ويستلهم الإرث اليوناني والروماني الغابر وخاصة ما يتعلق بالإرث الفلسفي، ويَبقى الفرق بيننا وبينهم هو في شمولية الأخذ وطريقة التعاطي. ولو أخذنا -على سبيل المثال- مسألةً شرعيةً مختلَفًا عليها سنجد أن هناك من يطالب بأن نأخذها كما كانت قبل ثلاثين سنة، وهناك من يطالب بأن نأخذها كما كانت في عصور الانحطاط، وهناك من يطالب بأن نأخذها كما كانت في صدر الإسلام.. وهكذا يستمر الصراع على العتبات التاريخية وأيها الأحق بالرجوع إليها والوقوف عندها لنستلهم منها تراثها بشقيه الفكري والمادي. مشكلتنا أننا لم ولن نتفق على عتبة تاريخية معينة فضلاً عن تمحيص تراث تلك الفترة ونقده ليكون ملائمًا لروح العصر كما فعل الغرب، ولعل العلة في نظر علاء الدين الأعرجي في كتابه (الأمة العربية بين الثورة والانقراض) تكمن في أن العرب ليسوا «من ورثة الحضارة العربية الإسلامية بل من ورثة عصر الانحطاط والفترة المظلمة الأقرب إلينا زمنيًّا وفكريًّا وثقافيًّا»، ولا أراه إلا أصاب، يعزز ذلك رضا الأكثرية بتلك الفترة وتمسكهم بتراثها على حساب تراث الحضارة العربية الإسلامية الأصيلة الذي ربما يسهم في الدفع بنا للأمام، مع الأخذ في الاعتبار أن التراث ليس هو كل شيء في صناعة الحضارة المتعاظمة وإنما هو مجرد ترس بسيط في آلتها الضخمة.